موقع إخباري شامل

“غرفة أفيلال” تضبط الإيقاع المالي بين الواقعية والطموح

0

في سياق جهوي يتسارع فيه الإيقاع الاقتصادي نحو تثبيت الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي، صادقت غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة على ميزانية سنة 2026، بإجماع أعضائها ومع تعديلات محدودة. غير أن ما يلفت في هذه الدورة ليس فقط التصويت بالإجماع، بل التحول في منطق إعداد الميزانية نفسها، التي باتت تعكس رؤية أكثر واقعية وتوجها نحو النجاعة المالية وربط الأهداف بالنتائج، في وقت تتجه فيه المؤسسات الجهوية إلى بناء نموذج حكامة قائم على الفعالية والتوازن.
تعكس المؤشرات المالية الجديدة تحولا في فلسفة التدبير داخل الغرفة، إذ لم تعد الميزانية مجرد وثيقة محاسبية بل أداة لتخطيط التنمية الاقتصادية الجهوية. فارتفاع المبلغ الإجمالي إلى أزيد من 145 مليون درهم، موزع بين التسيير والاستثمار، يكشف انتقال المؤسسة من نمط التسيير الروتيني إلى منطق الاستشراف الاقتصادي. هذا التحول يعزز الثقة في قدرة الغرفة على إنتاج القيمة بدل استهلاكها، خصوصا بعد أن أظهرت أرقام سنة 2025 استقرارا في المداخيل الذاتية وتحسنا في تحصيل الموارد المهنية.
وتبدو قراءة مكونات الموارد أكثر دلالة حين نلاحظ تنوع مصادر التمويل بين منتوجات الاستغلال والإعانات الحكومية والمداخيل الاستثمارية. هذا التعدد لا يعكس فقط مرونة مالية، بل يؤشر على توجه نحو تقليص التبعية للإعانات المركزية وتعزيز التمويل الذاتي عبر مشاريع كدار التاجر وقاعة العرض. كما أن ارتفاع نسبة الضريبة المهنية ضمن موارد الغرفة يؤكد انتعاش الدورة الاقتصادية بالجهة، واستعادة الفاعلين المهنيين ثقتهم في مؤسسات الوساطة الاقتصادية بعد سنوات من التذبذب في الأداء.
غير أن رهان الميزانية المقبلة لا يقتصر على تأمين التوازن المالي، بل يتعداه إلى بناء قدرة استثمارية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية بالجهة. فالمشاريع المبرمجة في إطار مخطط 2025–2027 تركز على تطوير البنية التحتية الاقتصادية والخدمات الرقمية ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة. هذه الاختيارات تعكس وعيا بأن الاستثمار في التهيئة والمواكبة ليس مجرد إنفاق، بل رافعة لتحريك المقاولة المحلية، وتحويل الغرفة إلى فاعل تنموي أكثر تأثيرا في مناخ الأعمال.
في المقابل، يظل التحدي الأكبر مرتبطا بمدى قدرة الغرفة على ترجمة هذه الأرقام إلى نتائج ملموسة على مستوى التشغيل وتحسين تنافسية المقاولات. فرفع الموارد بنسبة عشرة في المائة لن يكون ذا جدوى ما لم يواكبه تطوير في منظومة التتبع والتقييم، وتحديث أساليب التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين. كما أن رهان التحول الرقمي، رغم أهميته، يظل رهينا ببناء كفاءات داخلية قادرة على إدارة هذا الانتقال بكفاءة واستمرارية.
إن قراءة مشروع ميزانية 2026 من زاوية تحليلية تبرز أن الغرفة تدخل مرحلة جديدة من التدبير الاقتصادي، عنوانها الواقعية والطموح. واقعية في تحديد الأهداف وفق الإمكانيات المتاحة، وطموح في جعل الاستثمار وسيلة لتجديد وظائف المؤسسة وتحسين مردودية المجال الاقتصادي الجهوي. وبين هذين الحدين، تظل ميزانية الغرفة مرآة لجهة تنشد التوازن بين التنمية والعدالة المجالية، وتسعى لأن تكون شمال المملكة فضاءً مفتوحا للاستثمار المستدام والنمو المشترك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.