موقع إخباري شامل

عمر الصديقي: نموذج الصانع التقليدي المبدع

0

ذ/فؤاد الغلبزوري.

من الصناعات التقليدية المتميزة  بإقليم الحسيمة، نجد صناعة الدوم والحلفاء التي تؤثث فضاء العديد من الدور والمنازل، على امتداد تراب الإقليم إن في القرى والمداشر البعيدة، أم في مختلف أحياء المدينة وضواحيها، ذلك أن مثل هاته المنتجات تصلح للاستعمال اليومي وكذلك للزينة، وتمتاز بتعدد أشكالها واختلاف أحجامها وتباين ألوانها، ومن المناطق الشهيرة بإقليم الحسيمة في إنتاج مثل هذه التحف التقليدية، الخفيفة الوزن والمتعددة الاستعمالات، نجد قرية أذوز الواقعة بتراب الجماعة القروية الرواضي، المنتسبة إلى قبيلة بقوية غرب مدينة الحسيمة، هنا حيث رأى النور ذات يوم من سنة 1971 الصانع عمر الصديقي، الذي امتهن صناعة الدوم أو “ذِݣزْذنْتْ” كما تعرف بذلك محليا، وهذه الأخيرة عبارة عن نبات طبيعي موجود بكثرة في قرية أذوز، وهو على لونان رئيسان: الأحمر والأخضر اللذان يعطياننا عند مزجهما اللون الأسود، أول عمل من الدوم صنعه كان عبارة عن قبعة تقليدية (ذْشَاشِيثْ) وهو في الرابعة عشر من عمره، هذه المهنة التي يعيل بها أسرته الصغيرة رغم تقلبات الزمن، أخذها عن أبيه وأخوين له، ذلك إن مثل هذه الحرفة خاصة بالرجال فقط في مدشره، وهذا لايعني أن النساء لايمارسن هذه الحرفة، بل على العكس من ذلك هناك نساء في منطقة الرواضي يصنعن المكانس فقط (ذِسْغْوَاسْ)، جده من أبيه السي امحند الفقيه كان بدوره يمارس هذه الحرفة ويبيع منتجاتها في مدينة تيطاوين (تطوان) القريبة، وهو بدوره ورثها عن أبيه، هاته المنتجات التي تتراوح بين الطواقي الصغيرة منها والكبيرة (ذِشُوشَاْيْ)، والقِفاف المختلفة الأنواع والأحجام (ذِقْرَابينْ)، والأطباق (ذِنْدُوثينْ)، وبين الحصير المتوسط والكبير (السجاد)، ومنتوجات أخرى حسب الطلب. يسافر بسلعته هذه نحو بني أحمد بالشاون وتيطاوين كذلك، حيث تلقى هناك رواجا منقطع النظير سيما منتوج الشاشية، الذي يحتاجه سكان المنطقة اتقاء لحرارة الصيف المفرطة، بل ويضطر في أحيان كثيرة إلى البيع بالجملة نظرا لضيق الوقت وإلحاح التجار عليه.

 

شارك عمر الصديقي في عدة معارض محلية أقيمت بأماكن مختلفة، مثل مقر جهة تازة الحسيمة تاونات، والقاعة المغطاة ثالث مارس المتواجدة داخل ملعب ميمون العرصي “تشيبولا”، وساحة محمد السادس التي كانت تعرف سابقا بساحة عشرين غشت، ونادي البحر الأبيض المتوسط سابقا، والمعهد الإسباني melchor de Jovellanos وغيرها، كما شارك بفعالية على مستوى الجهة في المهرجان الجهوي لمدينة تازة وغيرها، ولولا ضيق ذات اليد وقلة الإمكانيات كما أخبرنا بذلك، لمثل الحسيمة في مدن مغربية أخرى ولم لا في أوربا؟. حاز بفضل تواجده الدائم في الميدان شواهد تقديرية عدة من مختلف الجهات: المندوبية الإقليمية للصناعة التقليدية بالحسيمة، مجلس الجهة والمجلس البلدي للحسيمة وغيرها

 

من الجهات، وهو رئيس “جمعية الفن والتراث بالحسيمة” التي تأسست سنة 2006 المتواجد مقرها بقرية الصناع بساحة الريف “فلوريدو”، ثم لاحقا جمعية العارضين للصناع التقليديين بالحسيمة، عندما التقته جريدة “أصوات الريف” مؤخرا على هامش أحد المعارض المنظمة، وجدته هادئ الطباع طويل النفس صبورا إلى درجة الملل، يميل إلى الصمت في كثير من الأحيان، يزاوج بين عمله والتحدث إلى الناس، يشتغل بكلتا يديه بيد أنه يظفر بيده اليمنى، يتنقل بسهولة من ظفيرة لأخرى في خفة ويسر، محافظا بطريقته الخاصة على الذاكرة الجماعية للمنطقة في تفاصيلها الصغيرة، التي تناقلتها الأجيال بأمانة منذ القدم إلى الآن، ذلكُم هو الفنان المبدع عمر الصديقي، فهلاّ دعّمناه في مشواره الفني الجميل؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.