أثارت وضعية وكالة التنمية الاجتماعية في السنوات الأخيرة العديد من الأسئلة الحارقة في أوساط المتتبعين؛ هي الوضعية التي وصفتها بعض الأوساط السياسية والنقابية “بغير المفهومة” نظرا لأعطاب التدبير التي تشوبها بفعل تراكم عوامل وأسباب عديدة.
ويرى بعض المتتبعين أن غياب النجاعة في اختيار مناصب المسؤولية التي منحت سابقا بالولاءات والمحسوبية، وتدخل أحزاب تدعي “يسارية” ونقابة مهيمنة آنذاك، ورغم ذلك لم تحترم مدّة تعيين المسؤولين المركزيين والجهويين، بحيث لا يخضعون لاعادة التوزيع كل أربع سنوات بل يتم التمديد لهم في نفس المناصب لسنوات، بل منهم من تغير التقطيع الإداري وإسم الجهة الترابية وهو باق في منصبه لم يتزحزح، وضع اضطرت معه العديد من الكفاءات للتواري وترك المجال فارغا أو مغادرة القطاع أو التوجه نحو التقاعد النسبي.
هذا؛ إلى جانب محدودية الأداء والمردودية بالنظر لكون من اختير على رأسها في عدد من الحالات تغيب عنه مقومات المسؤول المركزي أو الجهوي أو رئيس مشروع بمؤشرات واضحة ورؤية استشرافية يصل صداها للجهات والأقاليم وينعكس على الفئات الهشة والفقيرة.
وأكد نفس المتتبعون أن غياب المساءلة والمحاسبة للمسؤولين الجهويين والإقليميين في الأداء السنوي ساهم بشكل كبير في توسيع رقعة هذه الأعطاب ومصادرها، حيث صارت المنسقيات الجهوية وملحقاتها الإقليمية نسخة واحدة في كل شيء، ويتم تقديم مؤشرات الإنجاز ومخططات البرامج والمشاريع لتضخيم قاعدة البيانات في اجتماعات المجالس الإدارية، بينما يغيب تقييم نجاعة الأداء وأثر ذلك على المردودية، خاصة ما يهم البرامج والمشاريع المحققة في الميدان.
وفي سياق متصل لم يتوانى البعض في التذكير بما يعتبرونه هيمنة “تيار سياسي راديكالي” على مناصب المسؤولية في المركز والجهات والأقاليم، حيث تارة يظهر بلباس نقابي/إداري يدافع عن موظفي الوكالة عندما يتعلق الأمر بالبيانات والبلاغات، وتارة يخلعها ويلبس عباءته الحقيقية عندما يتعلق الأمر بالحوارات الإدارية وممارساته الداخلية، حيث يعمل بكل الوسائل مستغلا هيمنته على المسؤوليات بالجهات والأقاليم لاستقطاب عدد كبير من الموظفين معتمدا على أسلوب الترغيب والترهيب، هدفه الرئيسي عرقلة أي تدبير عقلاني قائم على تكافؤ الفرص والكفاءة والمردودية في هذه المؤسسة.
واعتبر ملاحظون للشأن الاجتماعي بالمغرب أن الإصلاحات التي قادتها الوزيرة عواطف حيار اتسمت بالكثير من الجرأة والشجاعة، حيث منذ توليها المهمة وهي تعمل على تكريس الإصلاح المطلوب بدء بإعفاءات بعض المتورطين وتعيين لجان التفتيش رامية إلى محاربة الفساد ووضع حدّ لتجذر لوبيات حزبية ونقابية وتغول عدد من المسؤولين بدرجة تفوق سلطة الإدارة أو الوزارة، منهم من أصبح رمزا خالدا في المركز والجهات، ومنهم من كرس فسادا على مستوى تدبير الموارد البشرية، خاصة ما يتعلق بملفات موظفين في الوكالة أو بالتعيينات في مناصب المسؤولية التي خضعت منذ سنوات لمنطق الزبونية والولاءات الحزبية والنقابية، أو ما يرتبط بتوزيع المنح والتعويضات.
وفي مقابل ذلك، كان لقرارات الوزيرة واتخاذها لإجراءات إدارية صارمة سبيلا نحو ترسيخ نهج جديد وطرق جديدة في تقييم الأداء للمسؤولين وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص في التعيينات أكبر الأثر في إفراز كفاءات جهوية مؤهلة وجديدة منتمية لمختلف مناطق المغرب كالسيدة فاطمة احمامو.
غير أن نفس المراقبين يلاحظون غياب تلاقي إرادة الإصلاح مع “نقابيين” مهيمنين على القطاع مستفيدين من الوضعية الحالية، وعليه يتساءلون: هل ستستمر جهود الوزيرة حيار في إحداث الرجة القوية بوكالة التنمية الاجتماعية في ظل المكتسبات التي تحققها أم ستزيد حدّة المؤامرات الرافضة للإصلاح والإنجاز على حدّ سواء؟
