“رحلة من الجنوب” أو البحث عن “يوسف بن تاشفين”
"...من أنا؟ ذرة رمل تعبث بي الحياة كما تعبث ربح العجاج بالعبار وذرات الرمال ثم تعيدها إلى كثيبها حيث كانت" رحلة من الجنوب (ص219)
الغبزوري السكناوي
كثيرون هم الكتاب الذين كانت لهم “رحلات إبداعية” حملت جزءا من مواقفهم الإجتماعية، الدينية، والسياسية… وكان متنها مسنودا إلى قناعاتهم الفكرية، وسيرتهم الذاتية هي التي دفعت بهم إلى “اقتناء” تذكرة هذه الرحلات، فالكاتب الفرنسي “لويس فرديناند سيلين”، الذي اعتيره “سارتر” روح المجتمع الفرنسي وصوته الحر، كانت له “رحلة إلى أخر الليل” بث فيها موقفه من الحياة ومختلف العلل الإجتماعية والأفكار السائدة حينها في مجتمعه، كما اختار الكاتب الفلسطيني، وليد عودة، لبطله يوسف وأسرته “الرحلة 370” ليتوجهوا إلى العالم الموازٍي، حيث استقلوا الطائرة الماليزية المتوجهة إلى بكين، واستقبلتهم عاصمة “الولايات الأندلسية الغربية المتحدة” التي تدعى “قرطبة الجديدة”
أما الكاتب هشام شرابي فنجده قد فضل لبطله الدكتور مخلص – الذي يشتغل في مركز للأبحاث- “الرحلة الأخيرة” ليطرح أفكاره ومواقفه حول الثورة الفلسطينية خلال فترة معينة، وينتقد جانبا من السجالات والحوارت التي صاحبتها، وهذه الكاتبة شروق عطيفة لقنت بطلها “ٱدم” – وعن طريق المجنون عبد الولي- فكرة “العود الأبدي” في “رحلة روح“ أما الكاتب المغربي عبد الله مرجان فقد اختار لبطله “طويرة” “رحلة العلقم” ليجسد مرارة الحياة وقساوتها، فيما رصدت الكاتبة المصرية رضوى عاشور اختلاف الثقافة والطباع الإجتماعية من خلال حياة السيدة “راء” في “الرحلة”/ أيام طالية مصرية ستينيات القرن الماضي في أمريكا.
“رحلة من الجنوب”.. أو وجع الإنتقال
صدرت للكاتب والمفكر المغربي حسن أوريد، بداية هذه السنة (2023) رواية تتكئ على جانب مهم من السيرة الذاتية للمؤلف، وجعلت منها زاد هذا السفر الإبداعي، حيث يرى البعض أن “رحلة من الجنوب” هي واحدة من “حوامل” المشروع الفكري للرجل، أكيد هي بالدرجة الأولى رحلة إبداعية جمالية من صميم الخيال، ولا شك أنها تتضمن بعضا من عناصر الرحلة/ رواية الرحلة، ونجد في محطاتها ملامح هذا الأدب (الرصد، الوصف والمقارنة، الإنبهار والإندهاش، ونتف التاريخ…) ولكن بالمقابل هي رواية لم تكتف بالمتخيل أو الوصف والرصد والمعاينة والتدوين، بل هي مسار مزدوج تصادم فيه البطل بين “التخلي” و”التحلي” ليجد نفسه، بعد “التجلي“، مرغما على الرجوع أو “المراجعة“، واعتلاء “مقام الفتح” أثناء “العودة”
أكيد أن “رحلة من الجنوب” تحمل جزءا مما يوافق الناس أو على الأقل يريدونه، لأن ما تضمنته “… ليس وقفا على بطل السرد، ولا على صاحب العمل، لكي يصبح ذلك ذا طبيعة عامة، بل شاملة، متى نفذنا إلى عمق العمل” (ص 08)، وهي إحدى الأسرار التي تجعل كتابات الرجل، الإبداعية على الأقل، يتشظى حولها النقاش إلى مجالات فكرية، سياسية واجتماعية، وهو التشظي الذي نظنه يرتبط بتعدد اهتمامات المتلقي، وأيضا بتعدد أبعاد ومستويات الكتابة ذاتها عند أوريد، والتي نجدها تستدعي التاريخ أو الزمن الراهن، من خلال الشخصيات أو الأحداث والوقائع وكذا المواقف والأفكار والأمكنة، في قالب أدبي وفني يمزج بشكل بديع، وفي توازي، بين الخط السياسي الإجتماعي والخط الشخصي الفردي.
وعكس الفرسيوي، بطل رواية “جنوب الروح” للشاعر، الروائي والسياسي محمد الأشعري، الذي اضطر إلى الرحيل نحو الجنوب، راسما مسار قرى تشكلت بالهجرة وتبددت بهجرات أخرى، فعبد الله بوحميدي بطل رواية “رحلة من الجنوب” للكاتب والمفكر حسن أوريد اضطر إلى الرحيل من الجنوب المغربي (قصر السوق/ الراشيدية) إلى العاصمة (الغرب) في رحلة صاحبها بشكل واضح نوع من القلق النفسي والفكري، وجعلته يحمل إلينا مشاهد/ مشاهدات رصدتها وسجلتها “عينين” (أمازيغية ومسلمة) لم يفارقهما وجع الإنتقال الناتج عن اختلاف الطباع، القناعات، السلوكيات، العادات، الدين، الأوضاع الإجتماعية، الثقافة واللغة…، وتوضح لنا كيف تغلغل الضَّيْقُ إلى البطل في رحلة مداها مستمر، وكيف انشطرت ذاته وأحلامه بين تناقضات وثنائيات وقيم بديلة تسلطت وأخرى أصيلة تراجعت.
ارْتياح العودة بعد رحلة التَكَبُّد
رغم كل المشاق، فالرحلة كان لها جانبها الممتع والخلاق، بل كانت رحلة ولاَّدة، لأن بطلها – الذي يلتحم أشد الإلتحام بالكاتب- لم يرجع بخفي حنين رغم المسالك المتداخلة، بل جعل من تعدد مساراتها واشتباك الشخصي/الذاتي (التَكَبُّدٌ) بالجمعي/المشترك (الإرْتياحَ) دافعا للتغيير، “فلا بأس أن أعود خالي الوفاض، ما دامت رحلتي قد تحولت إلى أفكار وقضايا… قضايا أشترك فيها وأخرين” (ص 225)، ولعل هذا الإشتباك هو الذي منح للمتلقي مساحة واسعة للقراءة/ التأويل، لأن عبد الله لم يكتف بالسير في “المجهول الغريب والعجيب” بل استطاع أن يتبين مقام “الفتح”، وأن ينال ربما “عطاء ربانيا” واجه به نفسه ومحيطه، بل وانتقد ذلك بقوة وانقلب عليه وهو قافلا/العودة، حيث اتضح له أن كل ما عايشه في رحلته ثقافيا، سياسيا واجتماعيا، ظل دون تحقيق استقراره الوجداني وأفقه الفكري.
كانت العودة/ التصالح مع الذات، بالنسبة لعبد الله، بمثابة بوصلة وخريطة سفر جديد، بعدما اكتشف أن ما عايشه ظل يراوح مكانه، فكان أن قرر العودة إلى عمقه الثقافي، والإنطلاق في رحلة أخرى قوامها الذات، والسير نحو أفق “اِجْتَلبَه” أساسا من دربة الحياة، من تقاطعاتها واشتباكات مساراتها، “الإنسان هو من يترسم طريقه. قد يضل السبيل، قد يعشو، قد يخطئ. يمكن أن يستكين مرحليا، ولكنه لا يستسلم” (ص 97) وأيضا مما امتلكه من تحصين روحي ورمزي، وهنا نستحضر كيف تحولت أدعية والدته وجدته من قبيل “اللهم سترك، وليحعل البشر يعلو محياك” و“الأقدام اللي دواك، يردوك…” (ص 13) “سير أوليدي، الله يقوي بشرتك” (ص 29) “الله يركبك ركوب العز” (ص 52) إلى سراج أضاء طريق الرجل وجعلت قدماه لا تعرف العثار.
يبدو أن “العودة” كانت حاضرة في كل محطات الرحلة، ولكنها بدأت ضمنيا مع صدمة الغياب/ وفاة الجدة حيث أصبح عبد الله “يشعر بأنه لم يعد ذات الشخص” (ص 58) وأيضا بعد لوعة الفراق ولو الرمزي، “تشيع حمرة الشفق علامة المغيب وايذانا بحلكة الليل” (ص 80) ومن هنا أصبحت تأخذ موفعا مركزيا، وغدت مدار السير بعدما غمر العبث حياته، ولم يعد هذا العبث “درسا فلسفيا قرأ عنه، بل شعورا يكتنفه ويثقل عليه” (ص 88)، حيث بدأت الشكوك تستبد به “… يعتريني شعور المتشكك في كل شيء، في نفسي، في الحياة…” (ص 96)، وفي جانب أخر يتضح لنا أن قرار العودة لم يكن وجدانيا وكفى، بل فكريا، ومقدمة حصوله كانت مع أستاذ الفلسفة، بلعيد، الذي أضحى ك “الشيخ المربي” وشجع عبد الله على أن يجعل لنفسه مسلكه الخاص“… أنت الأن تصبح ذاتك، تتحلل من كل ما ورثت لتصنع مرجعية منبعثة منك… وهي أحسن وسيلة لتمتلك ميراثك.. “ (ص 97)
خطاب الأستاذ بلعيد “أنت الأن تصيح ذاتك” كان حبل نجاة عبد الله من “شعاب واد إسلي وصدمة معركته” فانشرحت، هنا، النفس وعزفت الروح موسيقى الأعالي، ولعل “الذات” يمكن أن تأخذ عدة تعابير، تمظهرات، مفاهيم وأبعاد، ولكن نظنها، وفي جميع الأحوال، مفعمة بروح “تمغربيت” أو العبقرية المغربية، وبفرادة مكوناتها الحضارية، لدرجة اعتبار الأمازيغية مدخلا ل” فك طلاسيم العالم” (ص 109) نعم، هذه هي الوصفة التي منحت لعبد الله طاقة السير في رحلته الجديدة/ العودة، وأنضجت “زاده” المعرفي على نار هادئة، وأعانته على قيادة “ثورة ثقافية” تحرر فيها من “زينة الدنيا” ومن عقدة الأخر المتفوق والأجنبي العارف أو المالك للحل والحقيقة.
شخصية عبد الله خلال هذه العودة أصبحت أشبه ما تكون بشخصية “ثعاليبية”، وانتصرت للأصل، للذات والوجدان “قصر السوق لم تندثر من فؤادي” (ص 222) ولقناعة مفادها أن الحل لا يمكن أن يأتي عبر “وصفات جامدة” سواء كانت من الشرق بنموذجه الديني أو القومي، أو من الغرب الذي أضحى آفلا، ولم تعد مرأته المنكسرة تعكس صورتنا الحقيقية، وهنا (خلال العودة) بدأ عبد الله يتخلص من القلق الذي ظل يحد من حريته ويربض على قلبه خلال تواجده ب”الغرب”، هنا استعاد أصالته، وعاد إلى نبع الحضارة المغربية، وحصلت لديه القناعة بالإستمرارية فهو “… يوغرثن ويوبا ويسئن وطارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين. أنا القديس أغسطين وابن خلدون… الرحلة التي ارتحلت إلى ما وراء الجبل، لم تكن لتعني شيئا لو لم أنته إلى ما انتهيت إليه…” (ص 224)
مُنْتَهَى السَّيْرِ في رحلة “عبد الله”.. تَشَوُّفُ وإشراقات
“رحلة من الجنوب” لم تكن وصفا للمجهول، الغريب والعجيب، وما هي بنص إبداعي جرب فيه الكاتب/ المفكر مهارته اللغوية والسردية، وتحرر فيه من صرامة الكتابة الأكاديمية، أو أراد أن يجرنا إلى الخيال عبر غرابة الأسلوب كما يفعل أدباء الرحلة، بل نحن أمام كتابة “… لم تتأثر بالأساليب المقعرة أو المبهمة، كي ينضح بالوضوح، مما يجعله في متناول الجميع…” (ص 07)، كما أن الرحلة لم تقتصر على رصد اعتلالات وأعطاب المجتمع وتناقضاته، أو اكتفت بتسجيل وتدوين أشكال “الهدر الرمزي والمعنوي“، كما أنها ليست شريط استرجاع للماضي وكفى، بل مُنْتَهَى السَّيْرِ فيها هو إشراقات فكرية، ودعوة لتحرير الطاقات، وتَشَوُّفُ من أعلى الرابية، وقد فضل صاحبه أن يعرضه في “سلسلة محررة… مكونة من حلقات، كل حلقة هي لحظة تفكر” (ص 07)
فرحلة عبد الله هي، في الحقيقة، رحلة مكابدة نفسية وفكرية، سواء للبطل أو لأسرته، فأولا ليس من السهل أن “يرحل” الأمازيغي، لأن علاقته بالأرض استثنائية، بل روحية ومقدسة، وثانيا رحلته غالبا ما تكون اضطرارية وليست طموحا، خاصة إذ ما حدثت في مرحلة أو في ظروف تسهل الإنسياق أو التماهي، هنا ينظر إلى الحدث/ الرحلة وكأنه اقتلاع من الجذور/ “الضياع“، أو قل هي أشبه ما تكون بعملية فك نواة التمر عن قطميرها، وليس من اليسير أن يضمن الرَّحَّالةُ تذكرة الإياب أو العودة، بل وحتى الشجاعة، وهو الذي يشعر بنفسه، بعد التَحَلَّلَ، “عاريا” كسبف تخرق عنه الْغِمْد، “وأمشي إلى حيث تقودني قدماي. متحلل من كل شيئ… تائه في الفيافي. حر من غير وثاق. متحلل من الماضي. من المستقبل. من الحلم ومن الوهم” (ص 219)
مكابدة عبد الله لا ترتبط بمعاناة “الرحلة/ السفر” وإنما بنوازع النفس البشرية والأفكار والذات (الحلال/ الحرام/ الشبهات، الإستكثار/ الإعتدال والرضى بما تيسر من متاع الدنيا وزينتها، التصرف فى حدود ما يملك أم يتجاوز…) فعبد الله عاش “أحوالا” متقلية، واندرج في “مقامات”، وعايش أحداثا طبعت التاريخ، وكان المجتمع المغربي تتنازعه أطياف سياسية، دينية وفكرية تغرف من أقصى هذا البحر وذاك، يسارا ويمينا، شرقا وغربا، ولكن عبد الله، الذي ينتمي إلى الجبل والصحراء، لم “تغريه السباحة في أعماق هذه البحار” بل ظل يداعب الأمواج، ويراقب “زبدها”، لأنه ببساطة “… التقاء الجبل والصحراء، أمازيغي وعربي، سليل فضاء لم يعرف الحدود…” (ص 224)
أن يكتب مفكر أو سياسي نصا إبداعيا، فليس بالضرورة هروبا من برودة الكتاية الأكاديمية ومن جفاف بعض حقول المعرفية، قد تكون، بالفعل هو ترويح عن النفس وترياقا روحيا للذات، وعقارا رحيما لها، ولكن ليست كتابة للترفيه والتسلية، بل هي نصوصا قد ترتق الجرح الذاتي وكذا الصَّدْع المحتمعي، و”رحلة من الجنوب” تندرج في هذا السياق، وهي التي سعت إلى الإعمار والإِحْياء واعتمدته بدل الإِتْلاف والإِهْلاك، إلى الإستمرار والتعاقب بدل القطيعة، أوَ ليسَتْ هي نفسها نصا خضع للترميم كذاك الذي خضعت له ذات عبد الله، “كان النص عبارة عن بناء انهدم، شوهت أثاره ولم يبق إلا معالمه، فقمت بعملية ترميم… راودتني لفترة فكرة محو الكل والعودة من البداية… ولكني كنت أريد الإبقاء على أثر من شبابي…” (ص 234) حيث انتهى به الدرب وأضحى لزاما علىه أن يعود إلى بيته الأصلي “كان لزاما علي أن أعود من حيث أتيت، وإلا ما كان لرحلتي إلى الغرب أن يكون لها من معنى” (ص 238)، نعم، هنا انتهي الدرب وما انتهت الرحلة.
علاقة بالموضوع:
“رحلة من الجنوب”
أو أسئلة الهامش والمركز
رجوع عبد الله إلى الجنوب يطرح، ضمنيا، سؤال الهامش والمركز وعلاقة المثقف بهذه الفضاءات الجغرافية، وأيهما أفضل إلى قلبه، وهل في هذا الزمن، أي في عصر الأنترنيت والإتصال، لزال الحديث عن مثقف الهامش أو المركز يجد ما يبرره؟ بل الأمر يتعدى إلى سؤال أكثر راهنية يتعلق بأي هذه الفضاءات الجغرافية هي “المركز” وأيهما هي “الهامش” ومن أصيح يمتلك الثقل أكثر؟
وما الذي يغري شخصا كعبد الله، وهو الذي توفرت له غواية المركز، بالعودة الى الهامش والنبش فيه، وهل يمكن القول، اليوم، أن ما يعبشه الهامش من أوضاع اجتماعية وثقافية، وأن ما يرسله المركز من رسائل تحمل تطرف وإرهاب المجال، أو على الأقل عنفه، وهل الذات المتعسف عليها، والتي مورس عليها التهميش والإلغاء ستكون هي أيضا ذات إقصائية أو ذات دامجة؟ هل الهامش في هذه الحدود والمستويات سيكون حاضنة ل “حركة جديدة”
أي موقع اليوم للهامش، سواء على المستوى المحلي والعالمي، سياسيا وثقافيا، وهل يمكن القول أن تعبيرات الهامش أو الضواحي أضحت تنبئ بإعادة النقاش، وبقوة، حول الهوية والذات، كما أنها ستضع تحت المجهر “النموذج” وتفكك “تاريخ العواصم“