سيدي بوخيار/ الغبزوري السكناوي
من سيدي “شاشكال” أو سيدي أحمد أشقال، وعند بعضهم سيدي “سرحال” الواقع بجماعة “البدوزة’ أو “الكاب” حوالي 40 كلم عن مدينة آسفي، إلى موسم “الطوفة” الذي يقام بزاوية سيدي رحال البودالي أو “بويا رحال” التي اسسها منذ خمسة قرون ابو العزام الكوش السملالي التمدلتي بإقليم قلعة السراغنة، وبالضبط في المنطقة التي كانت تعرف ب’أنماي” على بعد 50 كلم من مدينة مراكش على الطريق الرابطة بين دمنات.
و”الدَّوْر” الذي يختتمه أتباع زوايا “رگراگة” بضريح سيدي علي معاشو بجماعة “حَدّ الدّْرَى” بالشياضمة الجنوبية حوالي 30 كلم مدينة الصويرة، ومرورا بضريح “خادم الرسول” سيدي أحمدو بمبا أمباكي بمدينة “طوبى” حوالي 150 كلم شرق عاصمة السينغال دكار، و”مكة الثانية” أو ضريح سيدي أحمد خوجة الياساوي بتركستان جنوب كازاخستان، وصولا إلى ضريح الولي الصالح سيدي بوخيار، حوالي 70 كلم جنوب مدينة الحسيمة.
في إفريقيا وٱسيا، كما في بافي بقاع العالم من امريكا وامريكا اللاتينية واوروبا، تنتشر المئات من “المواسم والمزاىات الخاصة”، نعم هنا وهناك، تتعدد الأسماء والطقوس والمسمى واحد، فمن موسم “الطوفة” و”الدور” و”الحولة’ إلى “حج المسكين” و”حج الفقراء” تختلف الحكايات والرويات وتتضارب احيانا، يختلط فيها السلوك الديني بالمعتقد الشعبي الأسطوري، قد يتعارضان أو يتجانس، قد تتحقق مقاصد شرعية عظيمة وقد تنتفي اخرى، ولكل إمرء ما نوى.
على هامش هذه المواسم تقام لقاءات تجارية كبرى، فليس هناك تجارة أكثر بركة من تجارة تعقد في مقام مفعم بالأجواء الروحانية، مز “سوق الباروك” إلى “سوق الصالحين”، وفي كل هذه المزارات المقدسة لا يمكن أن يكتمل “الحج” إلا بالمرور على قبر ولية صالحة وسيدة مبجلة، فهذه “للا نوارة” وتلك “للا منانة” واخرى “عائشة بيبي”، تتنوع الحكايات والفصص، فمنها من تحكي عن خادمة الشيخ، ومن تحكي عن زوجة، ومن تحكي عن اميرة او مجاهدة، ولكنها قصص تجمع على معاني الوفاء والإيثار وتجسد قيم.الالنزام.
يقال أن أصل هذه المواسم فتاوي أصدرها عدد من العلماء، حرموا او أبطلوا أو عطلوا فيها الحج إلى مكة المكرمة بسبب الأوبئة والأمراض والصراعات السياسة ومخاطر فطاع الطريق ‘الهجامة”، فانتشرت حينها “مزارات” لإقامة طقوس تحاكي الحج، تعظيما لهذه الشعيرة، فيما حكايات اخرى تقول أن قلة ذات اليد هي من دفعت “الفقراء” إلى إقامة هذا “الحج” ولكن ليس بالضرورة هذه الإعتبارات أو تلك هي الأصل، فلا يجب للغة أن “تغتال” جوهر المعاني والدلالات، فالمصطلح الصوفي هو الذي يؤثث المعجم اللغوي المتداول في طقوس هذا “الحج”
سيدي بوخيار.. موسم يحاكي في طقوسه الحج إلى بيت الله الحرام
هذه المرة نحن ضيوفا على الولي الصالح “سيدي بوخيار” الذي يتحول يوم عرغة إلى قبلة للمئات من المريدين، يأتون إليه من كل صوب وحدب ليمارسوا طقوسا تشبه شعائر الحج إلى بيت الله الحرام حيث يردد “الحجاج الفقراء” الدعاء والأذكار والأوراد في طواف عظيم وخاشع يتغي مناجاة الله ومدح الرسول خير البرية، ويصعدون من سيدي بوخيار إلى مزار “للا منانة” المتواجد بأعلى قمة جبل شقران، وبعدها يسعون “سعيهم الخاص” ليعودوا يوم عيد الأضحى ويجتمعون للغذاء الجماعي بعد صلاة الظهر بزاوية سيدي عبد القادر
إننا هنا على ارتفاع حوالي 2000 متر من سطح البحر، بدوار “محراث” التابع للجماعة القروية شقران، التي تقع في عمق سلسلة جبال الريف، جنوب مدينة الحسيمة بحوالي 70 كلم، عبر مركز “فاينتي” فجماعة “أربعاء تاوريرت”، ولا نبعد عن مركز شقران إلا بحوالي 8 كلم فقط، وضمن الحدود الجغرافية لقبيلة أيث ورياغر، نحن “ضيوفا” على الوالي الصالح سيدي بوخيار، حيث يقام هنا سنويا، ومنذ قرون، موسم أول ما يستوقفك فيه هي بعض الطقوس التي تحاكي، إلى حد ما، طقوس الحج إلى بيت الله الحرام.
أكيد ان أول ما يلفت نظر القادم إلى هنا، هو سحر الطبيعة وبساطة الفضاء، المقام في بنائه المعماري لا يخرج عن خصائص العمارة المحلية، او ما يعرف بالعمارة الصامتة/الميتة التي تتميز بالبساطة ولا تحمل أية زخرفة في مواد البناء او الصباغة، البناية بدون قبة، وتتكون من خمسة غرف، واحدة تأوي مرقد سيدي بوخيار وتقع بالجنوب الغربي، اما باقي الغرف فتوضع رهن اشارة الزوار، وعلى بعد حوالي 50 مترا من الضريح ينتصب مسجد بدون صومعة، مواد بنائه محلية، حجارة وتراب وإن بدت عليه ٱثار الإصلاح والترميم وادخال مواد جديدة.
أما “للامنانة” فهي تبعد عن سيدي بوخيار بحوالي 500 متر، عبارة عن بناية متواضعة، جدرانها من حجارة وتراب، وهي اليوم إيلة للسقوط وبدون سقف، ومما يحكى أن الناس، لحظة وفاتها، اختلفوا حول مكان دفنها فأجلوا الأمر إلى الغد، فحدث أن مر أحدهم من هناك في تلك الليلة، فسمع صوتا ينادي “هات الحجر يا موسى وهات الطين يا عيسى” وفي الصباح وجدوها مدفونة من غير أن يعلموا بمن فعل، الزوار هنا قديما كانوا يقصدون مرقد “للامنانة”، كل يوم خميس، ويقطعون أغصان شجر البلوط ويضربون بها رُّكَبهم وهم في الطريق إلى “المزار”، وبعد وصولهم يعلقون تلك الأغصان في السقف، معتقدين أن في ذلك شفاء من أمراض وأَسْقام معينة.
مع فجرعرفة يسلك “الحجاج” طريقهم للوقوف بسيدي بوخيار
يومان قبل عيد الأضحي، وهي التي يطلق عليها محليا يوم “عرفة الصغرى” و”عرفة الكبرى” يجتمع بموقع سيدي بوخيار القائمون على تنظيم “عملية الحج” للتحضير وإعداد المكان وتنظيفه، والإشراف على استقبال الحجاج والزوار والضيوف، وهو اليوم الذي يحضر فيه، كذلك، التجار من مختلف مناطق المغرب، من الريف، جبالة، فاس، مكناس، تاونات وتازة… حيث تقام إلى جانب هذا الموسم الديني سوقا تعرض فيها مختلف أنواع السلع والبضائع، وبالخصوص تلك التي يحتاج إليها السكان المحليون في هذه المناسبة الدينية.
صباح يوم “عرفة الكبرى” ومباشرة بعد صلاة الفجر يبدأ “الحجاج” في الإنطلاق من الضواحي ومختلف القبائل والمداشر المجاورة ليسلكوا طريقهم إلى سيدي بوخيار و”سوق الصالحين” وقبل أن تصير الشَّمْسُ في كبد السَّمَاءَ، وبعد اداء ركعتين، ينطلق الطواف ثم يجتمع الفقراء في حلقات للذكر والتكبير والصلاة على الرسول (ص)، وما أن ينال منهم الوجد ويشتد حال بعضهم، حتى تبدأ “العمارة” و”الشيخ” يدير حراكاتهم نقصا وزيادة حسب حالهم الذي يتماهى مع الانشاد الرباني وكلام اهل الحضرة، إلى ان يقرر الشيخ العودة بالذاكرين إلى السكون ويأمرهم بالإنصراف، وبعد صلاة الظهر جماعة يصعد بعضهم إلى مزار “للامنانة” المتواجد أعلى قمة جبل شقران.
حجاج سيدي بوخيار “الفقراء” يمارسون، هنا، طقوسهم الخاصة، إنهم يطوفون أولا حول الضريح، وبعدها في ساحة غير بعيدة عن مرقد الولي الصالح سوى ب 75 متر، ثم يتحركون في مسيرة نحو إحدى جداول المياه القريبة، يتوقفون هناك لمدة قصيرة ويستمروا في مسيرتهم عائدين صوب “سوق الصالحين” حوالي 20 متر عن الضريح جهة المسجد، لسماع الإرشاد والنُّصح، والوعظ، ودعاء الختم قبل الانخراط في العمارة /الحضرة على شكل حلقة يتوسطها مقدم المعتمرين فيهللون ويكبرون ويصلون على النبي، وبعد صلاة الظهر يفترقون بعدما تكون عقولهم وقلوبهم قد “امتلأت بأنوار المعارف والإدراك”
سيدي بوخيار يأتي إليه “الفقراء” من كل فج عميق، وهم “شعثا غبراً” تعظيما ليوم عرفة، وفي قلبهم خير الدعاء، وخير ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله، “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير” همهم الوحيد هو التقرب إلى الله وصلة الرحم مع إخوانهم…، “الحاج” هنا يكون حاضر القلب وفارغًا من الأمور الشاغلة عن الدعاء، وذلك على الأقل إلى حين صلاة الظهر، أما بعد الزوال فيمكن أن يقدم “الحاج” على قضاء أشغاله ويتفرغ بظاهره وباطنه للعلائق الإنسانية ويستعد ليوم النحر، فهم يقضون النهار كاملا هنا، إلى حين غروب الشمس، ولا “يبيتون”
وبعد “التحلل” زوال يوم عيد الأضحى يبدأ بعض هؤلاء “الحجاج”، وبالخصوص الذين يتحدرون من المناطق والدواوير المجاورة والقريبة، في التوافد على مقر زاوية سيدي عبد القادر بدوار الزاوية، التي تبعد بحوالي عشر كلم عن مقام الولي الصالح سيدي بوخيار، وبحوالي 21 كلم عن مركز الجماعة القروية بني حذيفة الذي يبعد بدوره عن مدينة الحسيمة بحوالي 45 كلم على الطريق الوطنية رقم 02، وفي هذه الزاوية يتم إحياء جمع روحي للمريدين تتخلله تلاوة الأذكار وحفل للسماع والمديح، ويكون فرصة يتزاور فيها الناس ويبلركون العيد
“السير إلى الله” قاد سيدي بوخيار إلى جبل شقران
في الحقيقة ليس هناك أية معلومات توثق لسيرة هذا الولي الصالح، وليس هناك من يدعي أنه من أعقاب هذا الرجل، ولم ترد في المصادر التاريخية أية إشارات حول مولده أو وفاته او درجة علمه، فقط ما تقوله الرويات الشفوية من أن يكون “السير إلى الله” و”سياحة العارفين” قد قادا سيدي بوخيار إلى هذا المقام والاستقرار عند “قدمي” “للا منانة” بجبل شقران، منصرفا إلى الأخرة والعبادة وراغبا عن الدنيا، منشغلا بالدعوى إلى الله وترسيخ السلوك الرباني، وتصفية نفوس الناس وإصلاح أمرهم.
هناك روايات لا تتردد في القول أن سيدي بوخيار قد اتى من شرق المغرب أو من منطقة تلمسان الجزائرية، ومنها، اي هذه الروايات، من تقول أن الرجل من تلامذة “تاج العارفين” و”سلطان الأولياء” سيدي عبد القادر الجيلاني ورفيق “شيخ الشيوخ” أبا مدين شعيب الغوث في رحلة العلم، فيما البعض بفول انه ليس سوى واحد من رجال “الأمراء الصالحين” او “بنو صالح” الذين أسسوا إمارة النكور كأول امارة اسلامية ومالكية بالمغرب سنة 92ه/705م، ولكن كل هذه الروايات تبقى بدون مصدر او سند تاريخي
وتقول الحكاية أن سيدي بوخيار ما أن وطأت قدماه جبل شقران حتى “شاهد” “نورا” قد “أشرق” من أعلى القمة، فراح للبحث عن مصدر هذا النور، ف “انكشفت له الأسرار” وتبين أنه ينبعث من مقام سيدة صالحة تدعى “للا منانة” كانت تتمتع بخصال أهل الله، وتجود على الناس من الشيوخ والعجاىز، فاقفل عائدا اسفل الجبل “مغمضا مطرقا رأسه” لما بدا على هذه الصالحة من تقوى وزهد وورع، فدخل بعدها في خلوة كفاتحة للحياة الصوفية متدرجا فيها إلى أن انتهى ب “الفتح”
سيدي بوخيار.. مظاهر احتفالية تساهم في التسويق السياحي
اليوم، وبعد عقود من الزمن، وبالرغم من بعض دعوات الإلغاء، ما زال المريدون من قباىل الريف وباقي مناطق المغرب “يحجون” إلى سيدي بوخيار في يوم عرفة، وإن كان منهم من لا يمارس تلك الطقوس التي تحاكي الحج او “العمارة”، بل يكتفي فقط بمتابعة ما يجري من طقوس هي في المبتدأ والمنتهى جزء من التراث المحلي، والإستمتاع بجمالية المكان ومناظره الطبيعية الخلابة وبعض مآثره، كما أنه هناك فئة خاصة من الزوار و”المريدين”، إنهم الباحثون والمهتمون والإعلاميون، وكذلك بعض الأجانب من المجموعات السياحية التي ترد على الإقليم خلال هذه الفترة.
ساكنة شقران، ومعها باقي الجماعات المجاورة، تبدي أسفها الشديد على واقع هذا الموسم، الذي بدا يعرف نوعا من الانحصار في السنوات الأخيرة بسبب عدم اهتمام المجالس المنتخبة والجهات الوصية عى صيانة الذاكرة والتراث، وكذلك فعاليات المجتمع المدني بمثل هذه الفضاءات الروحية التراثية، والتي يمكن أن تشكل اداة أساسية للجذب السياحي، وتعمل على تنويع المنتوج السياحي الذي تمتزج فيه عناصر السياحة القروية بالبيئية والثقافة والمعتقدات الشعبية، وتسويقه إلى جانب مجموعة من المظاهرالاحتفالية الأخرى التي تزخر بها منطقة الريف والمستمدة من الموروث الشعبي المحلي.
المسار الصحفي عدد 562/ 12-19 يوليوز 2024
