موقع إخباري شامل

من مظان الكتابات التوثيقية لذاكرة المرأة بالريف : ” الحياة اليومية للنساء الريفيات “

0

أسامة الزكاري

 

تعتبر الباحثة أورسولا كينغسميل هارت إحدى أبرز الباحثات الأجنبيات اللائي خصصن الكثير من الوقت ومن الجهد ومن العمل الميداني لدراسة واقع مجتمع قبائل الريف بشمال المغرب. ولا غرابة في ذلك، فهذه الباحثة كانت زوجة للباحث الأنتروبولوجي الأمريكي دايفيد منتكومري هارت صاحب الأعمال التأسيسية الرائدة عن تحولات واقع قبيلة بني ورياغل، في مستوياتها التاريخية والسوسيولوجية والأنتروبولوجية المتداخلة، حسب ما عكسه رصيد أعماله ذات الصلة، والتي عرفت طريقها إلى النشر في منابر علمية دولية خلال العقود الأخيرة من القرن 20. لذلك، أمكن القول إن الاهتمام برصد إبدالات واقع النظم المعيشية وأنماط التفكير الرمزية قد أضحت  انشغالا مميزا لأسرة “هارت”، الشيء الذي وجد سنده التوثيقي في الارتباط القوي بمنطقة الريف وفي الإقامة بها لمدة زمنية لا بأس بها، وفي الاحتكاك بساكنتها بشكل نادر، نكاد نجزم أنه لا يوجد مثيل له لدى كل من اشتغل بالبحث في تحولات ماضي منطقة الريف وفي حمولات واقعها الراهن.

ونتيجة لهذا العمل الميداني المباشر، استطاعت أورسولا كينغسميل هارت أن تستقر بين نساء منطقة الريف، في عمق مناطق قروية “عميقة”، وأن تستغل نتائج هذه الإقامة “الحميمية” لبلورة عملها الأنتروبولوجي الذي استطاع تجاوز الرؤى النمطية الغربية – عموما – حول واقع المرأة المغربية واهتماماتها وتكوينها وإبداعاتها ومسلكياتها وعلاقتها بمحيطها أولا، ثم في رصد الخصوصيات المحلية المرتبطة بخصوبة الوسط المحلي الضيق المرتبط بمنطقة الريف في حدودها الجغرافية الضيقة ثانيا. وقد أجملت الباحثة نتائج هذا العمل غير المسبوق في كتاب تجميعي فريد من نوعه صدرت نسخته الإنجليزية بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1994، تحت عنوان “وراء باب الفناء : الحياة اليومية للنساء الريفيات”، ثم صدرت ترجمته الإسبانية سنة 1997، وأخيرا  صدرت ترجمته العربية سنة 2010، بتوقيع عبد الله الجرموني، في ما مجموعه 194 صفحة من الحجم الكبير. ويمكن القول إن هذا العمل هو خلاصة جهد ممتد في الزمن، تطلب من الباحثة الكثير من الصبر ومن الأناة، احتكاكا بالساكنة المحلية، وتدوينا لذخائر التراث الشفوي والرمزي لمنطقة الريف، وتحليلا للدلالات الأنتروبولوجية وللحمولات الثقافية والسوسيولوجية التي يحفل بها المجتمع الريفي في سياق تطور جزئيات حياته اليومية. ولتوضيح الحيثيات الكبرى التي وجهت التدوين الاستقصائي الذي انتظم في إطاره هذا العمل الميداني المباشر، تقول المؤلفة في مقدمة الكتاب: “… مازلت أعشق رؤية كل مناطق المغرب “العميق” غير المكتشف، والسفر ثم العيش وسط القبليين… أما الدور الذي يمكن للمرأة الريفية أن تلعبه في تلك الحياة، فلم يكن ليخطر ببالي قط. لم أفكر أبدا بأني سأمضي جل وقتي معها. كنت جاهزة للركوب على البغال أو الجمال، وكذا الذهاب إلى القرى النائية التي وصلتها نساء مسيحيات قلائل، إن لم نقل ولا واحدة…أما ما يتعلق بالنساء الريفيات، فلم أكن مقبولة لديهن في الحين. لقد كن ينظرن إلي بريبة وعدم الثقة، وبشيء من العداء. كان علي أن أتعلم لغتهن وعاداتهن. كما كان علي أن أنطق بشكل صحيح أسماءهن الصعبة النطق. وهذا تطلب مني جهدا كبيرا ووقتا طويلا. وعقب زيارات متكررة، بدأن يتعودن وينظرن إلي كواحدة منهن، مع بعض التحفظ طبعا، ويشاركنني بعض أحلامهن ومخاوفهن وأسرارهن… إن ما سيأتي هو حكي لتلك الشهور التي بدأتها معهن، مع أن عادات قليلة قد تغيرت بالنسبة لهن…” ( ص. 25 ).

ونظرا لطبيعة العمل التجميعي المباشر للكتاب، والمفتقد لعنصر التحليل التركيبي، فقد انسابت المضامين في شكل متن وصفي تسجيلي، اهتم بتدوين تفاصيل ما استطاعت عين المؤلفة التقاطه أو التفاعل معه، انسجاما مع طبيعة العمل الأنتروبولوجي الميداني. بمعنى آخر، فالمضامين اندرجت في سياق كليشيهات تسجيلية افتقدت لرؤية المؤرخ المدقق التي تتجاوز القراءات الانطباعية السريعة لكي تبحث في الأصول وتدقق في التفاصيل وتحقق الروايات وتقارن السياقات. ومع ذلك، فالعمل يحمل الكثير من العناصر الارتكازية في التوثيق للتراث الرمزي لمنطقة الريف، وهو التراث الذي ظل عرضة للاندثار بفعل تعاقب الأجيال وتبدل الاهتمامات وتغير شروط الحياة وأنماط التفكير. باختصار، وانطلاقا من استقرار المؤلفة داخل حضن إحدى الأسر الريفية، فقد استطاعت أن تسجل الكثير من الجزئيات اليومية ذات الحمولات الدالة التي تشكل عناصر محورية للتوثيق لما لا يمكن التوثيق له في متن الكتابات التأريخية الكلاسيكية، من خلال إثارتها للانتباه لقضايا المعيش اليومي ولطقوسه المميزة، مثل حفلات الزفاف، وطقوس المآتم، والعلاقات الأسرية، والأهازيج المحلية، واللباس، والطبخ، والتراث اللساني، …

ولكي تربط المؤلفة بين نتائج عملها التسجيلي وتطور أوضاع المنطقة واهتمامات ساكنتها، سعت إلى تضمين ملاحظاتها المقارنة بين مميزات الأمس وتحولات الراهن، عبر زيارات لاحقة للمنطقة، أمكن من خلالها رصد أشكال تفاعل “الثابت” مع “المتغير” في واقع المنطقة وفي أحوال ساكنتها. ولعل من أبرز ما ارتبط بهذه التحولات ما ذكرته –على سبيل المثال– في الصفحة رقم 170 من مشاهدات تظل عنوانا للتطورات المعيشية والمجالية لساكنة منطقة الريف، حيث تقول:”…رغم كل أموال المهاجرين التي تستثمر في المنطقة، فنسبة البطالة مرتفعة جدا، زيادة على الكثافة السكانية. أما الفلاحة فهي متأخرة بسبب هجرة الرجال إلى أوربا أو لكثرة استغلال الأراضي القليلة الخصوبة. وأخيرا الاستهلاك المفرط –حسب ما يحكى– للحشيش ( القنب الهندي ) في المنطقة يجعل الأمر أكثر صعوبة.

مع ذلك يمكن ملاحظة –هنا وهناك– بعض مؤشرات الازدهار. وكمثال على ذلك سيارة مرسيدس ” موحند ” أو الذهب الموجود في واجهات الدكاكين بالحسيمة، لكن الديون الاقتصادية المعروفة مازالت موجودة هناك. بالرغم من المصدر الكبير للعملة الصعبة التي تدرها الهجرة، فإن الريف مازال مضرب المشاكل الشائكة المستعصية الحلول كالفقر وتزايد عدد السكان وانخفاض الإنتاج الفلاحي وضعف التماسك الأسري واستهلاك المخدرات. كل هذه العناصر مجتمعة تجعل الوضعية السوسي سياسية متفجرة بقوة …”.

هي، إذن، كتابة تسجيلية، تشكل حجر الزاوية في منطلقات البحث الميداني الكفيل بتجميع مندثرات الواقع المجتمعي لمنطقة الريف ولتراثها الحضاري الذي راكمه المجتمع في سياق تطوراته الطويلة المدى، حيث تتفاعل خصوبة البنى الداخلية مع قوة التأثيرات الخارجية الطارئة التي مارسها / ويمارسها المحيطان الوطني والدولي. ولا شك أن تخليص مضامين الكتاب من بعض الأحكام الغرائبية الموروثة عن ركام منجزات السوسيولوجيا الكولولنيالية، سيفتح الباب أمام تجديد قراءة المضامين، وفق رؤى يمكن أن تساهم في التأصيل للأعمال الميدانية المجهرية المستقبلية المتخصصة في البحث في أنوية العائلة والمجتمع الريفيين، حسب ما  توارثته المنطقة عن القرون الماضية وحسب ما ظلت تفرزه من تعبيرات مادية ورمزية مميزة في زماننا الراهن.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.