موقع إخباري شامل

اوشان محمد: فنان عصامي يحرس مآثر الريف.

0

الحسيمة/ الغبزوري السكناوي.

على مرمى حجر من جزيرة النكور؛ وعلى ربوة من روابي أجدير أعلى شاطئ اصفيحة؛ وفي محيط لا تفصله عن الموقع التاريخي لمدينة المزمة سوى “مسافة ذراع”؛ نشأ وترعرع الفنان العصامي محمد اوشان؛ حيث جمالية المحيط والبيئة وعراقة المكان.
هنا بدأ أوشان يستلهم من الماضي والتاريخ أسلوبه في تشكيل لعبه البسيطة؛ شغبه الطفولي قاده إلى مروج اجدير والنكور؛ وتخضب بغيسهما ووشم لعبه بوحلهما؛ عشقه لكل ما ينبع من ارض الاجداد وترابها حمله وهو اليافع الشاب ان يستكشف عوالم الماضي؛ اكثر؛ من خلال “الدور الخالية” و”الاسوار المهترئة” التي كان يعتقد انها بقايا هجرة او ان اصحابها قضوا “ايام الجوع” ولكن سيكتشف بعد عمر وتجربة انها مواقع تنبض حياة؛ وان ما تراه عيناه في هذا الفضاء البهي لاجدير ما هي إلا عروق ووصالا ابت ان تجف دماىها.
ولكن قبل هذا وذاك؛ سبق لمحمد اوشان ان اعترته “الصدمة الكبرى” وهو يكتشف؛زمن طفولته؛ ان جزيرة النكور او الصخرة المقابلة لهضبة سكناه لا تحمل العلم الوطني؛ فبدأ السؤال والاستفسار ليعلم ان “اجنبيا” زار بلدته في غابر الازمان وظل يحتفظ بهذه الاجزاء من وطنه وبلدته؛ وهي “الصدمة” التي اقنعته بانه يجب ان يكون حارسا لمآثر منطقته؛ فبالنسبة لمحمد اوشان حراسة هذه الفضاءات هي جزء من حراسة الوطن.

المولد والنشأة

في هذا الفضاء كان مولد الفنان والتشكيلي العصامي محمد أوشان سنة 1970 من اسرة محافظة؛ يشتغل والده تقنيا كهربائيا بنادي البحر الابيض المتوسط السياحي؛ فضاء قد يبدو للوهلة الاولى جد عادي ولا يختلف عن باقي المجال الترابي للريف الأوسط؛ ولكن المتمعن؛ سيستدرك ان لهذا الفضاء ما يميزه وله جاذبيته الخاصة.
الفضاء يقع باجدير؛ عاصمة المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي؛ وهو المجال المسكون بالتاريخ القريب؛ والبعيد حتى؛ وضمنه تنفس محمد اوشان عبق التاريخ والطبيعة؛ وسكنه الماضي العريق؛ هنا حمله شغب الطفولة إلى اكتشلف ارحب لهذا الفضاء الجغرافي الممتد على مرمى البصر من منزلهم؛ ركض في مروج البلدة وتخضب بغيسها ووشم بوحلها الاشجار كما الاحجار.
كان محمد اوشان الطفل يشكل بهذا الغيس والوحل اشكالا ونماذج لكل ما تقع عليه عيناه من مساكن ومباني مهترئة؛ وبالنسبة له -وهو في اول العمر طفلا صغيرا- ليست هذه المباني سوى “خربة” استطاع الزمن ان ينال منها مبتغاه؛ فجدران وأسوار المزمة؛ وبناية “فيسنا” التي كانت مقرا لقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي في اتجاه ازغار لم تكن تعني شيئا بالنسبة له؛ فهي ليسا سوى بقايا “دار خالية” ولا قيمة لها.
ولكن الطفل اوشان سيتوسع شغبه الطفولي؛ وسيبدأ في نسج شغفه الخاص بعيدا عن ما ألفه الاطفال في سنه؛ خاصة عندما ولج المدرسة؛ حيث بدأ في توسيع دائرة “اكتشاف” محيطه الجغرافي؛ وبدأ في الولوج إلى فضاء البحر والشاطئ؛ وسيكتشف الرمال السمراء لشاطىء اصفيحة؛ وسيكتشف الاصداف؛ الزجاج؛ والاحجار التي نحتتها مياه البحر.
في هذه الفترة؛ وضمن هذا الفضاء دائما؛ سيقترب محمد اوشان اكثر من “الصخرة/الجزيرة” وسيعلم حينها -دون ان يستوعب عقله ذلك- انها محتلة؛ وبالتالي لا يمكن لاهالي المنطقة ولا لغيرهم ان يلجوا اليها سباحة او عبر القوارب؛ الفتى لم يستوعب كيف ان صخرة مقابلة لقريته؛ ولا تبعد إلا امتارا؛ لا يستطيع أن يتسلقها ويمارس شغبه الطفولي بالقرب منها؛ ولا يستطيع ان يركض عليها ويقفز الى مياه البحر التي كانت تغريه والشمس ترسل عليها أشعتها فتبدو له لامعة وذهبية.
صدمة وحيرة عمقت “السؤال الطفولي” لدى فناننا محمد اوشان؛ خاصة عندما انتبه إلى ان الصخرة يرفرف فوقها علما وراية لا تشبه راية بلده؛ وتختلف عما حفظه من محفوظات واناشيد عن الوطن؛ فما تراه عيناه ويكتشفه وقتها يخالف تماما ما علمه إياه المعلم عن الوطن.
مفارقة لم تكن الا لتحمل اليافع محمد اوشان إلى البحث والنبش؛ لعله يصل إلى ما يرضي شغفه الذي بدأ يكبر ويستقيم لديه “منطق السؤال وسؤال المنطق” وهذه المفارقة صاحبته في شقاوة المراهقة والشباب؛ خاصة وان عوالم الشاب بدات تتسع؛ ومداركه المعرفية بدات تاخذ طريقها نحو الفهم؛ حيث استطاع ان يعرف أن بلده؛ ومنطقته بالضبط؛ كانا محط اطماع استعمارية؛ وان اسبانيا استطاعت ان تحتلها لفترة معينة؛ ومن حينها ظلت هذه “الصخرة” كذلك محتلة إلى يومنا هذا.
ومما أدركه الفتى اثناء مسيرة فهم صدمته؛ أن بلدته كانت مهد الحضارة في غابر الازمان؛ وأن “الديار الخالية” وبعض “المباني المهترئة” ليست كذلك؛ فأوشان سيكتشف -وهو يتجول بين حقول وغابات بلدته باجدير؛ متنقلا بين الشاطئ الفسيح وضريح سيدي بومدين؛ بين موقع “الحمام” بالقرب من مقبرة المجاهدين؛ واصلا الخط والخطى نحو “تانوت” بغابة اصفيحة؛ أو قافلا راجعا في اتجاه “فيسنا”- سيكتشف ان تلك الجدران والاسوار والمباني “حبلى بالحركة” وليست من الماضي فقط.
حينها اكتشف أن عروق هذه المباني والمواقع ممتدة في “العمر” تنبض حياة وتابى الموت والسكينة؛ أسوار ومباني سيعرف انها كانت شاهدة على حضارة عريقة؛ وتفاعلات انسانية عميقة؛ وجمعت في بوتقة المتوسط افريقيا واوربا؛ وكانت فضاءا لانشطة ثقافية؛ تجارية؛ فلاحية وصناعية…
فاكتشف ان المزمة مثلا كانت مرسى تساق اليها المراكب المحملة بالسلع؛ وكانت قديما -كما جاء في وصف ليون الافريقي- “مدينة في غاية الحضارة؛ كثيرة السكان؛ دار مقام لامير هذا الاقليم” وهكذا ظلت منذ قرون حية؛ شاهدة تاريخية؛ من حيتها وهي تشرأب بجيدها وراسها وتقاوم النسيان رغم تدميرها لاكثر من مرة؛ وعرفت حروبا وهجومات متعددة.
فالمزمة رغم التهميش والنسيان ظلت تشهدنا على حضارة واقوام من تاريخ المرابطين؛ الموحدين؛ الفاطميين والعلويين…وتشهدنا كيف تفاعل ضمتها الانسان والمجال؛ اسوارها تشير إلى انها كانت مدينة عنيدة عصية، وبقيت تقاوم كل الاطماع الاقتصادية والفكرية والدينية؛ وابت الا ان تستمر في “المقاومة” فكان يتحصن بها مجاهدو الريف ايام مقاومة محمد بن عبد الكريم.

تجارب مهنية وانسانية اغنت مسار الفنان محمد اوشان.

ككل شباب المنطقة كان محمد اوشان يشتغل في عطل الصيف مستخدما موسميا بنادي البحر الابيض المتوسط؛ وبعدها استطاع ان يلج رسميا الى هذا النادي؛ وتنقل بين بعض فروعه باوربا؛ وامتهن ضمنه اعمالا مختلفة اكسبته تجربة انسانية وثقافية مهمة؛ تعرف على حضارة وثقافة هذه البلدان سواء عبر السياح الذين كانوا يفدون على النادي او خلال تواجده خارج المغرب؛ تشبع عبر هذه التجربة بقيم لتسامح؛ وتعزز لديه التواصل والتبادل الانساني.
اليوم يتذكر محمد اوشان -وبنشوة- ماضي السياحة بالمنطقة؛ وكيف كان الجانب الثقافي والتضامني حاضرا فيها؛ فيوضح ان ادارة النادي مثلا ومن اجل الترويج واستتقطاب السياح من مختلف بقاع العالم كان لا بد وأن تستحضر “كل ما يحمل روحا مغربيا؛ وثقافة محلية…” وكانت “ليالي المغرب” و”السوق المحلي” انشطة تحظى باهتمام كبير في الترويج السياحي وكانت تلقى اقبالا واضحا من طرف السياح داخل النادي.
هنا سيكشف الفنان محمد اوشان ان التاريخ؛ التراث والمآثر ليست فقط نصوصا تدبج في امهات الكتب؛ ولا محاضرات تلقى على الطلبة هنا وهناك؛ اكتشف ان التاريخ والماثر يمكن ان تكون سبيلا لتنمية المجتمعات المحلية وعنصرا للجذب السياحي وتنويع عناصره؛ واكثر من ذلك اكتشف أن هذا التاريخ وهذه المعالم مشترك انساني يحظى باهتمام الاجنبي كما المحلي؛ او على الاقل هكذا يجب ان يكون الامر.
في هذه المرحلة سيتوقف محمد اوشان عن “الرسم والتشكيل الطفولي” ولم يعد تستهويه اقامة ونحت “قصور الرمال” التي سرعان ما كانت تتهاوى بضربة امواج هائجة؛ أو بحركة نزقة من أحد رفقاء اللعب؛ الرجل لا يريد لاحلامه أن تتهاوى كما لعبه الرملية؛ فحاول توسيع مداركه ومعارفه عن هذه المواقع والمآثر وراح يقدمها للسياح الذين يفدون على البلدة؛ ولم يكن ذلك بدافع مادي ومن أجل امتهان الارشاد السياحي؛ بل فقط “تباهيا” بتاريخ وعراقة منطقته.
وبعد التقدم التدريجي في العمر والتجربة سيتفطن محمد اوشان إلى انه يجب ان يتحمل جزءا من مسؤولية الحفاظ على هذه المواقع والمآثر؛ بالخصوص في ظل اللامبالاة والنسيان من طرف الجهات الرسمية؛ لحظتها قرر ان يتحول الى “حارس” لهذه المآثر و”محافظ” لها؛ ولكن بطريقته الخاصة؛ اي عبر إبداعاته الفنية التشكيلية والنحتية داخل ورشته بمقر إقامته.
في هذه الورشة البسيطة جدا اقدم على انجاز اعمال تشكيلية ونحتية غاية في الجمالية وابهى في بعدها التوثيقي؛ فظل لسنوات يشتغل على صنع مجسمات ونماذج صغيرة لهذه المآثر باستعمال مواد صديقة للبيئة؛ من تراب؛ قصب؛ تبن؛ خشب؛ وحجر… بدءا من نماذج منازل ودور السكن التقليدي بالريف؛ جزيرة النكور وتشكيل فضائها الساحلي والبري؛ وأيضا مجسمات ونماذج من القلعة الحمراء باربعاء تاوريرت التي يعود تصميمها إلى المهندس والعسكري الاسباني “ايمليو بلانكو” قلعة طريس؛ أسوار قلعة اسنادة…

محمد اوشان يأمل في ان يكون “باتري تور” مشروعا يمزج الثقافة والفن في النشاط السياحي المحلي.

اوشان في مشروعه الثقافي والفني هذا ” Patri tour” او “تراث وسياحة” ابى الا ان يبقى مرتبطا بالسياحة التي ظلت تسكنه كنشاط ثقافي وانساني قيل ان تكون نشاطا اقتصاديا؛ فبدأ يبحث لمشروعه عن منافذ اوسع للتعريف باعماله وتقديمها لزوار المنطقة؛ البداية كانت من المعارض؛ الملتقيات السياحية؛ اللقاءات الاعلامية وايضا عبر استقبال بعض الزيارات في ورشته.
ولم تكن تمضي زيارة إليه او ينتهي معرض الا ويقوم بإهداء نماذجه ومجسماته لمن حضر؛ مع هذا الفنان تشعر بسخاء لا منتهي وعطاء مستمر؛ عطاء في الإبداع؛ عطاء في الدفاع عن مآثر المنطقة؛ فلا يمكن ان تغادر ورشته دون ان يحملك اهداءا خاصا بتوقيعه؛ وايضا وصيته الأبدية “إياك أن تضيعه أو تتلفه فانت اليوم حارس من حراس مآثر الريف” الإهداء قد يكون مجسما صغيرا لفرن تقليدي من منطقة الريف او مكونا/مرفقا من مكونات المنازل التقليدية بالريف…وقد يكون نحتا صغيرا لجزيرة النكور.
اصرار تحقيق الافضل لمشروعه الفني حمل الفنان محمد اوشان الى منصة التتويج في احدى دورات برنامج مضايف Eco 6 (دورة الحسيمة) وهو البرنامج الذي يهتم بدعم ومواكبة الاشخاص والمقاولات او التعاونيات التي تمارس انشطة لها علاقة بالسباحة؛ وترتبط بمجالات تثمين الحرف اليدوية؛ الانشطة الفنية؛ تعزيز السياحة في المناطق التائية وغيرها من المحاور التي تهدف إلى تقوية النشاط السياحي ومساهمته في التنمية المحلية للساكنة.
البرنامج -الذي اطلقته مضايف رائدة الاستثمار السياحي بالمغرب؛ أحد فروع صندوق الايداع والتدبير بالمغرب- يهدف في جانب كبير منه الى تثمين الحرف اليدوية والفنية؛ والعمل على ادماجها ضمن النشاط السياحي؛ وهو البرنامج الذي تمكن ضمنه مشروع “Patri tour” بقيادة الفنان محمد اوشان وشقيقه جمال من الفوز؛ وان يحظى بمواكبة ودعم خبراء برنامج مضايف 6.Eco
ومشروع محمد اوشان يهدف بالضبط الى تقديم “سفر عبر الزمن” حيث سينتقل بزوار وجهة الحسيمة ووحداتها الفندقية إلى الماضي لاكتشاف عبق التاريخ والجغرافية؛ مشروع يختصر المسافات والمسارات؛ فإن لم تتمكن من الانتقال جسديا الى موقع من مواقع هذه هذه المآثر والمعالم فالمشروع الفني Patri Tour يتكفل بذلك عبر مجسمات ونماذج صغيرة شكلتها انامل بعناية ودقة وجمالية فائقة انامل محمد اوشان؛ مجسمات ستتيح لك هذا “السفر الخاص” ببهو الفنادق وفضاءاتها المختلفة؛ او بقاعات الانتظار بالمطارات…على أمل ان تنجز بالمنطقة متاحف وصالات عرض خاصة لهذه المجسمات التي تنبض حياة؛ وان بدت من حجر وتراب.

جريدة بيان اليوم عدد 9415 بتاريخ 22 دجنبر 2021
ش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.