أين اختفت أبقار الريف…
في البحث عن "المساهمين" في إفلاس مصنع الحليب بإمزورن بعد ارتفاع المطالبين بفتح تحقيق قضائي في الملف…
الغبزوري السكناوي
منذ مدة ومعمل “حليب الريف” بإمزورن أمام القضاء بعدما أدركه الإفلاس الممنهج، وقرر العمال والمستخدمين التوجه إلى المحكمة لنيل حقوقهم، طبعا هذا هو الظاهر من سردية ظلت سلسلة أحداثها تحكى بدون ترنيب تعاقبي أو سببي، واقتصرت فيها “الرؤية السردية” على أسلوب تركيبي هجين يجمع بين الرؤية “من الخارج” والرؤية “المصاحية”
ولكن، لا أظن أن الأمر مجرد نزاع شغل جماعي عادي، وذلك على اعتبار أن الملف لا يتعلق بشركة عادية، بل بمصنع له وضع اعتباري “خاص”، بحكم أنه تابع لاتحاد تعاونيات إنتاج الحليب بالحسيمة، وبالتالي نفترض أن النظام المحاسباتي وأسلوب التدبير المالي والإداري لهذه المقاولة يخضع لقواعد الصرامة أكثر من أية مقاولة أخرى.
فما الذي جرى حتى انتهي السير بهذا المصنع، ومعه اتحاد تعاونيات إنتاج الحليب، إلى أروقة المحاكم، وكيف تمكن الإفلاس من هذه “التنظيمات” في غفلة من مكتب تنمية التعاون، مصالح وزارة الفلاحة، السلطات المحلية، وغرفة الفلاحة؟ لماذا لم يتدخل هؤلاء لوقف هذا الإنهيار المالي حتى وصلت الديون لحولي 7 مليون درهم.
بل المساءلة يجب أن تمتد إلى من قرر دعم هذه الوحدة الإنتاجية ومدها بتجهيزات وٱليات تفوق قيمتها المالية 39 مليون درهم، بالرغم من علمه/م أنها ستظل عاجزة عن الإنتاج؟! ولماذا حلت “الشيكات الشخصية”، في أداء بعض ما ترتب من الديون، محل “شيكات المعمل والإتحاد”؟ وهل كانت هناك دواعي قانونية لسلك هذه الطريق المحفوفة بالشبهات والمخاطر القانونية؟!
عرض مصنع “حليب الريف” على أنظار القضاء، كانت ستكون خطوة محمودة، بشكل أكبر، لو امتدت إلى التقصي في كل “التفاصيل المدمرة”؟ وتم استدعاء جميع الذين تعاقبوا على رأس اتحاد تعاونيات انتاج الحليب وأمناء المال، وكل أولئك من “ذوي القربى” الذين كانوا يتولون مسك الحسابات والملفات القانونية، وحتى الجهات الوصية على القطاع الفلاحي والتعاوني.
البعض لا يتردد في القول بأن هذا الملف لا يخلو من مؤشرات تيديد أموال عمومية، وبالتالي بات من الواجب استدعاء كل من كان يتولى المسؤولية داخل المعمل والإتحاد، من أول رئيس إلى غاية فترة عبد الله الخطابي “حمشان” خاصة وأن المعطيات توحي بكون بوادر الإفلاس قديمة، وتعود لحوالي 30 سنة خلت.
لداعون إلى توسيع دائرة التحقيق القضائي، يستندون إلى أن ما حدث، بهذه المصنع، لم يكن اختلالا عاديا، وأن العفن الذي أصاب االتعاونيات واتحادها كان يتربص دائما ب “قلب” المعمل، وبالتالي لم يكن هناك أي مبرر “يرغم” الدولة على منح المزيد من الدعم، خاصة وأن كل المؤشرات كانت تؤكد أن مصير هذا المعمل لن يكون أفضل من مصير وحدة انتاج الأعلاف بأجدير.
التدمير الذي لحق اتحاد تعاونيات انتاج الحليب، والمؤلف من 6 تعاونيات كانت تؤطر على الأقل 2000 فلاح بجماعات ٱيت بوعياش، آيت يوسف وعلي، النكور، أجدير، تيفروين، وأربعاء تاوريرت، لم نسمع له صدى لدى ممثلي الفلاحين، خاصة لدى “المنتخبون الكبار” مثل نائب رئيس الغرفة الجهوية للفلاحية حاليا، كريم البوطاهري، والرئيس السابق لنفس الغرفة عبد اللطبف اليونسي.
اليوم هناك من يعتقد، جازما، أن الرئيس السابق للغرفة الفلاحية، عبد اللطيف اليونسي، قد يفيد كثيرا هذا الملف، فإلى جانب مهامه التمثيلية، كان يتولى لسنوات مهمة محاسب “خارجي” متعاقد مع المعمل، أيام كان والده عبد العزيز اليونسي أمينا للمال، كما أن أسماء أخرى، مثل حسن البطيوي، امحمد لمعيز، محمد الجعواني، شعيب افلاح… راكمت، أثناء تدبيرها للإتحاد والمعمل، معطيات ستفيد، بلا شك، في الكشف عن أصل هذا الإفلاس.
اليوم بات المهتمون بحماية المال العام مقتنعون بأن أشخاص مثل رشيد الأطلسي وأجعوط من الأسماء التي ستفيد الرأي العام، ولما لا التحقيق القضائي ومحكمة جرائم الأموال، نظرا لما راكموه من تجربة، وربما من معطيات أيضا، بحكم قربها من مفاصيل التدبير والمسؤولية بهذا المعمل، وبالتالي “إفادتها’ ستكون مساهمة محمودة في فهم تفاصيل هذا الإفلاس الذي أصاب المعمل والإتحاد.
طبعا ممثلوا الفلاحين لم نسمع لهم حِسّا ولا حَسيسا، حتى والمعمل يعرض في طبق من ذهب إلى الأغيار!! ولكن قد نفهم ذلك إذا علمنا أن المرشح ل “تبني” المعمل، الذي حصل على تجهيزات وٱليات قيمتها المالية تقدر ب 37.5 مليون درهم زيادة على الممتلكات والتجهيزات التي كان يتوفر عليها، ليس سوى عبد السلام البياري رئيس الغرفة الفلاحية ورئيس تعاونية حليب الشمال بتطوان، Colainord.
إفلاس المصنع واتحاد تعاونيات انتاج الحليب لم يحظى بالإهتمام اللازم، حتى من طرف الإعلام، حصل هذا لأن البعض، ربما، بعتبر أن الملف “مٱل طبيعي” لوحدة إنتاجية “عادية” اعترضتها مشاكل خارج إرادتها تتعلق بندرة الحليب، تراجع عدد مربي الأبقار والمنافسة، ولكن دون أن يطرح السؤال حول سبب هذا التراجع؟ وما مصير الدعم الذي كان يتلقاه العشرات من “الفلاحين الكبار”
نزاع الشغل المعروض، اليوم، على القضاء ربما ليس سوى الشجرة التي تخفي الغابة، لأن الأساس هو كيف كانت عمليات التوريد والتموين تتم داخل هذا المعمل، وكيف كان يتم التعامل مع المرجوعات؟ كميات الحليب المجفف؟ وما هي الظروف التي سلمت فيها وزارة الفلاحة لهذه الوحدة الانتاجية المفلسة تجهيزات ب 37.5 مليون درهم؟! وكيف وافق اتحاد تعاونيات انتاج الحليب على قبولها؟! وهو الذي يدعي أنها (التجهيزات) لا تغطي سلسلة الانتاج…
ليس هذا وفقط، بل كيف؟ وماذا حدث؟ حتى تراكمت على هذه الوحدة الانتاجية والإتحاد ديون يرجح البعض أنها وصلت حوالي 7 مليون درهم؟ نعم كيف حدث ذلك ونحن نعلم أن النظام المحاسباتي والمالي يخضع لسلسلة من عمليات التدقيق، وفي مستويات تنظيمية متعددة، حسابات المعمل، حسابات التعاونيات، حسابات اتحاد تعاونيات انتاج الحليب بالحسيمة، ومن حاول إطالة هذه الأزمة؟ ومن المستفيد منها؟
.