يروى أن أَبا عَلِي اَلْحَسَنْ بْن هَانِئْ، الذي ليس سوى الشاعر المعروف بأبي نواس، دخل ذات يوم على أحد خلفاء زمانه طمعا في بعض الدنانير مقابل شعره، غير أن الخليفة كان منهمكا في ملاطفة جارية تسمى “خالصة” وقد وضع على جِيدها عِقْدا نفيسا.
الخليفة لم ينتبه لأبي نواس حين حضر إلى مجلسه، ولم يعر اهتماما له، ولا لشعره، فخرج هذا الأخير مطأطئ الرأس، وفي لحظة غضب كتب على باب قصر الخليفة أو بيت الجارية، “لقد ضاع شعري على بابكم…كما ضاع عقد على خالصة”
وظني أن لكل زمان ومكان “خوالصه”، وفي الحقيقة كثيرة هي القصص والروايات التي ذكرتها كتب التاريخ عن “السياسة والعشق” وكيف كانت مجالس السياسة و”صالوناتها” المغلقة والمفتوحة قبلة لنوع خاص من “الخوالص”.
وإذا كان أبو نواس قد ضاع منه – بسبب خالصة- شعره وكيس ببعض الدنانير، ولم ينل شيئا من مدحه للخليفة، فما الذي ضاع من نخبنا الثقافية، السياسية، الحزبية، الإقتصادية والجامعية بسبب “خُلَّص أو خالصات” هذا الزمن.
أظن أن “خوالص” هذا الزمن ضيَّعن ذلك الخيط الدقيق الذي كان يفصل في وطني بين السياسة والعبث، وقطعن الطريق على الأمل في قيام سياسة تستند إلى الأخلاق، فهؤلاء “الخوالص” خلعن عن السياسة في هذا البلد رداء الكفاءة، المسؤولية، المصداقية والإستحقاق…
ورغم ذلك فلا يمكن أن نلقي باللوم على هؤلاء “الخُلَّص” فقط، بل حتى على المؤسسات الحاضنة لهن، وبالخصوص في عالم السياسة الذي لم يعد يستعير من “الحب والعشق” مصطلحاته فقط، بل أصبح يستلهم منه الكثير من الممارسات البذيئة التي لم تعد تقتصر، للأسف، على الأشخاص التافهين.
فالتعابير التي تفيد “الإرتماء في الأحضان” “التودد والمغازلة” “الإنتهاك أو الإغتصاب” لم تعد مجرد ألفاظ مجازية، وليست مصطلحات استعرتها السياسة من لغة العشق والغرام، بل هي حقيقة وواقع، لها مجالسها التي حملت أشخاصا إلى مواقع المسؤولية كانوا قابعين في أسفل السلم الإجتماعي.
يوميا تطالعنا وسائل الإعلام عن قصص وحكايات ل “خوالص” هنا وهناك، في الأحزاب والمحالس المنتخبة، في عالم المال والأعمال كما في الوزارات والإدارات العمومية، بل حتى بعض المؤسسات العلمية والجامعية لا تخلو بدورها ممن ضيعن الشعر والعقد، ومعهما ضاع كل شيء الشرف والوطن.
ولعل بعص الصور والمشاهد، الصادمة للذوق العام، التي تأتينا، بين الفينة والأخرى، عن بعض “مجالس السياسة” لخير دليل على نماذج “خوالص” يمتلكن تاريخا، أقل ما يقال عنه، أنه غير مشجع، ورغم ذلك فقد حملتهن لعبة السياسة إلى المسؤولية في الوقت بدل الضائع، وأصبحن مع مرور الوقت يتحكمن في خيوط اللعبة ذاتها
في الحقيقة أي تشابه أو تطابق بين هذه المشاهد، التي تأتينا عن المجالس المنظمة من طرف بعض “الخوالص”، وحياة “جيل المنهزمين” في فيلم “الغذاء العاري” المقتبس عن رواية للكاتب والروائي الأمريكي “وليام بوروز” – بنفس العنوان- قد يكون ربما محض صدفة ليس إلا…
مشاهد وصور هذه المجالس تقدم حياة البعض، ممن أَوْلاَهُم العبث السياسي مناصب المسؤولية، على أنها مشابهة لتلك التي عاشها “بيتر ويلر” و”جودي ديفيس” في فيلم Naked Lunch، والذي جسد بقلق وعنف حياة أشخاصا يعيشون في دائرة إدمان المخدرات، المثلية الجنسية، والإنحطاط الأخلاقي.
المؤسف أن هذه المجالس لا تضم فقط التافهين غير المسؤولين عن أفعالهم، بل طالما يوجد فيها أُولَئِكَ “الكبار” الذين أصبحوا يشبهون “هنرى ميللر” حين تحدث عن نفسه في “ربيع أسود” قائلا «كتابى هو الإنسان الذى هو أنا، المضطرب، المتهاون، المتهور، الشهوانى، داعر، عاصف، مفكر، شكاك، كذاب، رجل متمسك بالحقيقة بشكل شيطانى أنا»