موقع إخباري شامل

الزهرة حمودان: جامعة عبد المالك السعدي أعادت للمدينة ألقها الثقافي الذي خلفه رواد الفكر والثقافة والنضال والوطنية”

0

كيف تعرفين نفسك للقراء؟

أولا كل الشكر والتقدير لجريدتكم على التفاتتها لتجربتي المتواضعة…

بالنسبة لتعريفي لقراء الجريدة فإسمي الزهرة حمودان..تجربتي في الكتابة فتية..فقد ظل هم الكتابة يحرقني سنين طويلة..لمسؤوليتي كأم ..وكموظفة في الادارة العمومية.

للمرأة -التطاونية- تاريخ أدبي زاخر، كيف تنفضين الغبار ولو قليلا عن مسار هذه التجربة الإبداعية الرائدة؟

الزهرة حمودان:  نعم هذا ما نحاول أن نصل إليه في مسلك ماستر الكتابة النسائية..فالمرأة بعد أن اقصي إبداعها من التدوين والتأريخ..رغم وجودها الفعلي في النضال والإبداع والفكر سواء في العصر الجاهلي أو العصور المتتالية..لأسباب اجتماعية ألقت بظلالها على عملية التدوين وبين زمن الرائدات الأوائل كالخنساء وسكينة بنت الحسين وغيرهن كثير..وبين الكتابة النسائية في الأزمنة الحديثة لا بد من مد الجسور..فالمرأة دائما موجودة بالفعل..فهي بين التأليه في الأساطير القديمة وكينونتها البشرية هي “ذات”، مصدر للخصب..أيقونة للعطاء..روح تسمو بفعلها الوجودي نحو السماء..أثرها مثبت بقوة الوجود.

بصفتك مبدعة وناقدة هل يمكن للأدب أن يصلح ما أفسد الدهر؟

الزهرة حمودان: أولا لا بد من المصالحة مع ثنائية كينونة الرجل والمرأة..وتعقيم الذاكرة البشرية من المقولات التي تبني صداميه مفتعلة بين أرقى عنصرين للمكون الوجودي..وهذا كان موجودا حتى لدى الأمم غير العربية..وربما بأسلوب أكثر فظاعة..ثم إن الطريق لا زال غير معبد أمام المرأة كي تتخلص من أدران الماضي…وتصبح قضاياها كونية بمعنى تتكلم بلسان “الإنسان” ذلك الكائن الذي هو جبة بشرية يلبسها هي والرجل في أن واحد..عند هذه النقطة فقط يمكن أن تقول الإنسانية أنها أصلحت ما أفسده الدهر وسيتجلى ذلك عبر الأدب وباقي الفنون الأخرى.

الزهرة حمودان مبدعة من طينة نادرة وناقدة متميزة، أين تجد ذاتها هل في الإبداع أم في النقد؟

الزهرة حمودان: هما أمران متساويان عندي في درجة العشق..لولا أن ولعي بالقراءة..يسقطني في غواية قراءة من نوع آخر..ويلج بي في سراديب النص المقروء وأغواره..وهذا ما يأخذ وقتي..ويجعل من أعمالي نصوصا غير مكتملة..مكتوب عليها الانتظار.

تحدث لقراء الجريدة عن المدرسة النقدية التي أغنت تجربتك النقدية؟

الزهرة حمودان: في الحقيقة..أنا بدأت قارئة نهمة..لم أتوقف يوما عن القراءة..منذ أن تعلمت فك الخط..لكنني في الجامعة اخترت، كان مجال تخصصي مناهج النقد الحديث. وفيها وجدت ضالتي..مفاتيح قراءة من نوع آخر..قراءة مؤطرة أكاديميا..وبعد أن كنت أوفر ميزانية لاقتناء الأعمال الأدبية. . بدأت أدمج في تلك الميزانية نصيبا للمراجع والمجلات النقدية..فمن فن الشعر لأرسطو إلى البنيوية إلى السيميائية إلى الشعرية..إلى مدرسة الشكلانيين الروس..ورحلت مع تودوروف وفوكو وجنيت ونظريات جمالية التلقي..وامبرتو ايكو..في الحقيقة تقديمي هذا غير ممنهج..لأنك فاجأتني لكن ما أريد توضيحه أن العمل هو من يلهمني المنهج الذي يحمل إشاراته.

بتطوان حراك ثقافي يبشر بميلاد نخبة مثقفة جديدة، ما رأيك؟

الزهرة حمودان: نعم هو كذلك..فمع وجود جامعة عبد المالك السعدي بكوادرها العلمية الحاملة للهم الثقافي..تولد بالمدينة ذلك الإشعاع التنويري..الذي أعاد للمدينة ألقها الثقافي الذي خلفه رواد الفكر والثقافة والنضال والوطنية..حين كانت المدارس الخاصة تفتح عنوة لتحدي الاستعمار..وترسل البنات إليها..والمكتبات العامة والعمومية تلقاك عند كل ممر ومنعطف بالمدينة  ذلك بجهود رجال ربطوا جسور الثقافة مع الشرق كالفقيه محمد داود والفقيه محمد بنتاويت وغيرهم كثير..الثقافة في تطوان لها جذور..وانفتاح الجامعة اليوم على الساكنة..وتواصلها مع فنانيها ومبدعيها ومثقفيها أحيا تلك الجذور..

وهل المرأة المبدعة حاضرة بقوة..؟

الزهرة حمودان: المرأة المبدعة حاضرة..نعم..لدينا الموثقة للثقافة وحاملة سر أبيها الأستاذة حسناء داود ..وهي سيدة تشربت الثقافة والعلم من أبيها الرجل الوطني مؤرخ مدينة تطوان المرحوم الفقيه محمد داوود..قامت بصيانة مكتبة والدها بما فيها من نفائس المؤلفات..طرقت الأبواب وناضلت حتى تخرجها لعموم الطلبة والمهتمين كما يجب. والأديبة العالمة الدكتورة سعاد الناصر والشاعرة إيمان الخطابي والشاعرة فاطمة الزهراء بنيس كما تعرف المدينة حضورا بارزا لنقاد ومبدعين رجال ففي النقد نجد الدكتور محمد الفهري على سبيل الذكر لا الحصر وفي القصة القصيرة يتألق الدكتور الطيب الوزاني..وهي أسماء سواء فيما ذكرته من النساء أو الرجال لا تمثل الكل..لكن المجال لا يسمح بذكر الجميع.

هل صدر لك عملا أدبيا؟

الزهرة حمودان: نشرت لي بعض الصحف بعض القصص القصيرة..ولدي عملان للأطفال..

الكتابة تجربة ومغامرة كبرى …هل لديك طقوس للكتابة؟

الزهرة حمودان: الطقس الكبير إذا حضر يغنيني عن كل الطقوس..هو الوقت..يقول المثل حامل البطيختين يتعب..وأنا تعودت حمل أكثر من بطيختين..لهذا تجدني دائما همي الوحيد هو الوقت أروضه فيروضني ربما لكون طموحاتي كبيرة..وأحلامي لا تموت.

ما تقييمك للمشهد الثقافي المغربي؟

الزهرة حمودان: سؤال كبير..رغم ما يقال عن عزوف الشباب عن القراءة..تظل التباشير موجودة في الإصدارات الجديدة..في الكتابة النسائية التي أضافت للمنتوج الثقافي ببلادنا رافدا غنيا كما ونوعا..في الأعمال الحائزة على الجوائز العالمية..أما ما يلاحظ من سلبيات هنا وهناك فتلك ظواهر تمر على الشعوب..ولا يثبت ويخلد إلا الأصح والأصدق والأصيل.

تطوان احتضنت اللبنة الأولى للنهضة الثقافية والنضال السياسي وساهمت بشكل كبير في إغناء المكتبة الوطنية، كيف تفسرين لقراء الجريدة ما وقع بين الأمس واليوم؟

الزهرة حمودان: ما وقع بين الأمس واليوم أوجد واقعا هو خليط بين ما هو مشترك بين الشعوب العربية من انتكاسات وإحباطات وعلى رأسها النكبة الفلسطينية سنة 1967، وتأثيرها على الفكر والثقافة العربيين بما فيهما الفكر والثقافة المغربيين..وفيها ما هو داخلي نتيجة صدمة المثقفين المغاربة الذي علقوا آمالا عريضة حول الإصلاح والمواطنة والمساهمة في بناء الوطن المغربي الحر..فكان أن تلاشت كل تلك القضايا بين الصراعات السياسة، من نفي لبطل الريف وزعيم قبائل الشمال إلى مصر ومحاولة استفراد بعض الأحزاب بالزعامة وإقصاء شركاء نضال الأمس من المساهمة في البناء اليوم ثم جاء المد اليساري بكل أحلام فتيان الجامعات المؤطرة بالأفكار الاشتراكية، واغتيال المهدي بنبركة، مما أدى إلى ظهور ما يعرف في الأدبيات الحالية بسنوات الرصاص هذه الإحباطات سيدي ألقت بثقلها السلبي على الثقافة         والإبداع…فهيمنت الروح التجارية والتسويقية، على كل شيء، تقودها ترسانة من الوسائط الإعلامية تفتح أمام المتلقي أبواب الاستهلاك الاقتصادي على مصراعيه…فدخل التسويق مجال الكتاب وباقي الفنون من سينما وتشكيل وصحافة وغيره من الوسائط التي كانت بالأمس وسائل تنوير فكري ومع ذلك يجب أن ننتبه إلى ظاهرة الوسائط الرقمية اليوم، ودورها في الإنتاج الثقافي، وإيصاله للمتلقي الذي يتعامل معها بنقرة واحدة…وهذه الوسائل سيأتي يوم وتعطي أكلها، بعد أن تتخلص الأجيال العربية المعاصرة من مراهقتها الرقمية، فهي بوابة لتواصل الثقافات.

هناك من يصنف الإبداع حسب مفهوم النوع …أليس الإبداع ملة واحدة؟

الزهرة حمودان: نعم هناك عدة آراء حول هذا الموضوع، فهناك من يقر بمصطلح الكتابة النسائية نظرا لخصائصها الأنثوية، كالبوح، والانطلاق من الذات في كل مجالات إبداعها، ثم التركيز على العواطف  والرجل والأسرة وإنما هناك أدب إنساني يشترك فيه الرجل والمرأة وهناك مصطلح ثالث بهذا الخصوص، ويتعلق بما يعرف ب “الأدب النسوي”، وهو ما أنتجته التيارات النضالية الحقوقية و السياسية الغربية ومن تأثر منها من الكاتبات المغربية ثم فاتني أن أجيبك على سؤال الجندر…فهو دخيل على الثقافة الأدبية المغربية، كما أنه حديث العهد نسبيا حتى بالنسبة للغرب حيث ظهر مع البحث السوسيولوجي فهو مصطلح خرج من رحم علم السوسيولوجية. أفرزه البحث في الغبن والتمييز الذي طال المرأة في الغرب، خصوصا بعد الثورة الصناعية وظهور المرأة كنوع عامل ومنتج لكنه لا يحظى بحقوقه الكاملة ك “إنسان”…ثم انتقل إلى الأدب كمبحث عن تجربة النساء كما تبدو من خلال الشخصيات الروائية الأنثوية.

ماذا تعني لك هذه الأسماء؟ أمينة عزوز، الأديب محمد الصباغ، الفقيه محمد داوود.

الزهرة حمودان: بالنسبة لأمينة عزوز يكفيها فخر الريادة في عدة مجالات كالإعلام والتعلم بأوروبا (اسبانيا) في زمن لم يكن ذلك متوفرا حتى للرجال في مدينة صغيرة كتطوان، وكذا إسهاماتها في التأسيس لدور التعليم بمدينتها..والتربية في مؤسسة إنسانية لم ينشأ ـعلى الأقل بمدينتي ـ ما يضاهيها نظاما وتسييرا وتعليما و تحضرا.

الأديب محمد الصباغ، كان هدهد المتوسط، غرد بلغة شعرية تلمع بدرر التعبير وشهده..ترجم وبنى جسور التواصل بين دول البحر الأبيض المتوسط، كان لوركا وسيرفانتيس في آن واحد، لم يتوقف يوما عن التغريد بلغة لامعة فرحة إلى أن رحل فتعتمت بعده سماء المتوسط.

الفقيه محمد داوود رحمه الله كان وحده شعلة من التنوير الثقافي والحضاري…أوقد شعلة التعليم بمدينة تطوان، وأشرع لها منزله بوابة على المشرق الذي كان ذلك الوقت رائدا للثقافة العربية بامتياز…إنه باختصار شدديد أبو الوطنية، استعمل القوة الناعمة في النضال فكتب له النصر…

كلمة أخيرة؟

 الزهرة حمودان: “أصوات الشمال” هي فعلا صوت من أصوات المغرب المتعدد الثقافات، الغني بتنوعه..اللغوي والثقافي والحضاري، ورافد أصيل من جذور الوجود المغربي التاريخي  والجغرافي..مسيرة موفقة للقائمين عليها.

حاورها الشاعر: محمد بوكسير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.