الحديث مع الإعلامي عبد الحكيم كربوز ممتع وشيق في آن واحد، فهو من طينة الذين لم تغير طبيعة العمل الذي يمارسه داخل مؤسسة إعلامية كبرى وشبه رسمية في حجم الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية من قناعاته النضالية التي تشبع بها وهو لا زال تلميذا بثانوية “البادسي” بمدينة الحسيمة ثم طالبا في حي ظهر المهراز بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس. هذه القناعات التي تجسدت بالفعل داخل المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. يبدو عبد الحكيم كربوز كمن خرج لتوه من إحدى التظاهرات داخل الحي الجامعي رغم بعد المسافة الزمنية التي تفصله الآن عن تلك المرحلة. في العديد من اللقاءات التي جمعتني به كان دائما يتحدث بنوع من النوستالجيا عن تلك المرحلة، فهو يعتبر أن النضال لا ينتهي في الجامعة وإنما يرافق الإنسان حتى في حياته المهنية. يعد عبد الحكيم كربوز من الإعلاميين القلائل الذين لديهم اطلاع معرفي يشمل عدة مجالات، فهو لديه قابلية للحديث في العديد من المواضيع، إلا أن الحيز الزمني المخصص له في هذا العدد لا يتسع للحديث عن عدة أمور سنتركها لمناسبات قادمة.
في البداية نرحب بك الأخ عبد الحكيم كربوز في “أصوات الشمال”، ونود منك أن تقرب القراء إلى مسارك الشخصي قبل وبعد التحاقك بالإذاعة الأمازيغية؟
عبد الحكيم كربوز: مباشرة بعد حصولي على الإجازة في الفلسفة، تخصص علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس صيف 1992، وبعد حياة دراسية مليئة بالإخفاقات، شرعت أبحث عن عمل يقيني شر الضياع. وقد تأتى لي ذلك في شهر نونبر من سنة 1992، بعد أن أخبرني أحد معارفي في الرباط بأن الإذاعة الأمازيغية ترغب في توظيف بعض الحاصلين على الإجازة في إطار الخدمة المدنية. وبعد اجتيازي لمباراة شكلية، التحقت للعمل كصحفي بمصلحة الأخبار. وللتاريخ لا زلت أتذكر، وأنا كنت بصدد ملء بعض الأوراق في قسم الموارد البشرية، أنني التقيت بالزميلة إقبال إلهامي التي اشتغلت فيما بعد كمراسلة صحفية لفائدة قناة الجزيرة الإخبارية، وكانت قد جاءت للعمل بالإذاعة كصحفية بقسم الأخبار العربية. وقد طلب منها مسؤولو الإذاعة إحضار الإعفاء من الخدمة المدنية. وفي إحدى الدورات التدريبية التي جرت سنة 1994 التقيتها مجددا، وكنت ما زلت أشتغل في إطار الخدمة المدنية، فذكرتها بالواقعة وقلت لها : شتان يا زميلتي بين وضعيتي الإدارية ووضعيتك.
ما هي ظروف العمل التي اشتغلتم فيها، خاصة وأن قطاع الإعلام في ذلك الوقت كان يعاني من عدة تضييقات وتدخلات أثر على هامش الحرية النقابية المتاح في تلك الفترة في ظل الوصاية؟ وهل التهميش الذي تحدث عنه البعض هو تهميش مضاعف لدى الإعلاميين الأمازيغ؟
حكيم كربوز: كانت الإذاعة في ذلك الوقت تحت وصاية وزارة الداخلية وكان يشرف على تدبير أمورها قائد. وكان العاملون يرتعدون من الخوف عندما يرونه. كنت أستغرب هذا الوضع، أنا القادم من قلعة ظهر المهراز المناضلة بجامعة فاس. كانت الأخبار التي تتحدث عن المشهد السياسي والحقوقي والنقابي في ذلك الوقت لا تذاع إلا بعد أن يؤشر عليها صاحبنا بعبارة “تذاع”. أما الإنتماء السياسي والنقابي والحقوقي للعاملين فكان أشبه ما يكون بجريمة تجر على أصحابها مختلف أشكال اللعنة والمصائب.
كيف سارت الأمور مع مجيء حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 التي ترأسها عبد الرحمان اليوسفي؟ وكيف تقيمون أداء عمل الحكومة في تلك الفترة في المجال الإعلامي في ظل المشروع الطموح الذي حمله آنذاك وزير الاتصال الأستاذ محمد العربي المساري من أجل إصلاح المشهد السمعي البصري؟
حكيم كربوز: مباشرة بعد تولي حكومة التناوب تدبير الشأن العام تم فصل الإعلام عن الداخلية، ودشنت النقابة الوطنية للصحافة المغربية الحراك داخل هذه المؤسسة، وكنت في طليعة المناضلين الذين لبوا نداء التغيير، إذ أصبحت مسؤولا في المجلس الإداري بهذه النقابة وعضوا في فرعها بالرباط. كنت أول إعلامي أمازيغي يتولى هذه المسؤوليات عن قناعة واستحقاق. في هذه الفترة بالذات التي تشكل جزءا لا يتجزأ من سنوات الرصاص التي عرفها المغرب، نالت الأمازيغية في الإعلام العمومي نصيبها من الإقصاء والتهميش، إذ لا يتم توظيفها إلا للفلكلرة أو للدعاية الرسمية في بعض المناسبات. ولا يتسع هذا الهامش للوقوف عند مختلف أشكال الإقصاء والتهميش. كل ما في الأمر أن الجيل الأول الذي اشتغل في الإذاعة الأمازيغية والذي يعد بحق المؤسس للإعلام الشفوي الأمازيغي، أعتبرهم من ضحايا سنوات الرصاص، ويجب أن ندون شهاداتهم، وإن كان العديد منهم التحقوا بالرفيق الأعلى. ورغم ذلك كانت الأمازيغية في الإذاعة بمثابة المعبر أو المحتضن الوحيد لأنشطة الحركة الثقافية الأمازيغية التي كانت في أوج نضالاتها
في أكتوبر من سنة 2001 سيتم إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من أجل الاعتناء أكثر بالثقافة واللغة الأمازيغيتين ورد الاعتبار إليهما. ما هو الأثر الذي خلفه إحداث هذه المؤسسة في مجال تقديم خدمة إعلامية في المجال السمعي والبصري العمومي، وهل يمكن الحديث عن تراكم إعلامي بإحداث نشرة إخبارية بالأمازيغية بالقناة التلفزية الأولى سميت ب “نشرة اللهجات” بدأت سنة 1994؟
حكيم كربوز: لا أحد يمكنه أن يتجاهل السياق السياسي الذي جاءت فيه “نشرة اللهجات” إلى القناة الأولى بعد المحاكمة الشهيرة لمناضلي “جمعية تيليلي” بكلميمة، وما عرفته هذه المحاكمة من تعاطف وإدانة دوليين. لكن للأسف الشديد لم تقدم هذه النشرة ما يشرف الأمازيغيين على جميع المستويات. وقد نالت هذه النشرة حظها من النقد والاستنكار في حينه. أما المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية فهو كغيره من المؤسسات الاستشارية التي تأسست بمقتضى الظهائر الشريفة لا تحيي ولا تميت، وإن كنت لا أقلل من القيمة العلمية والمعرفية للعديد من الأصدقاء والمناضلين الذين يشتغلون في هذه المؤسسة، والذين كان لي شرف التعرف عليهم في العديد من الجمعيات. لقد جاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لاحتواء نخبة من المناضلين، وكل ما يفعله لفائدة الإعلام هو إصدار المذكرات المطلبية من حين لآخر والمتتبع عليه أن يحكم إن كان ذلك يؤثر على القرارات الرسمية للدولة.
كيف تقيمون عشر سنوات من أداء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في مجال خدمة اللغة والثقافة الأمازيغيتين؟ وكيف تنظرون إلى مستقبل هذا الإعلام في ظل إحداث قناة تلفزيونية أمازيغية وفي ظل تنصيص دستور سنة 2011 على ترسيم اللغة الأمازيغية؟
حكيم كربوز: يتوفر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية على إمكانيات هائلة يستثمرها في البحث والتكوين لفائدة الأمازيغية، كما يتولى إصدار وطبع الكتب والمؤلفات واحتضان العديد من الأنشطة. غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هو: هل استطاع المعهد أن يغير من موقف الدولة اتجاه الأمازيغية؟
أما فيما يخص دستور 2011 وما أقره من اعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية فذلك لا يمكن تجسيده على أرض الواقع إلا بصدور القانون التنظيمي الذي سيحدد كيفية إدماج اللغة الأمازيغية في مختلف المجالات، والذي لا شك ستكون ولادته القيصرية عوجاء. وطبيعة الواقع تشهد على ذلك.
أما ما يتعلق بإحداث القناة الأمازيغية فهذا يعد مكسبا هاما تحقق بفعل نضال الأمازيغيين في هذا الوطن. غير أن ما أخشاه هو أن تصبح هذه القناة مع مرور الأيام قناة للاستهلاك ولفلكلرة الأمازيغية، وإن كنت أنوه بالعديد من الطاقات التي تشتغل في هذه القناة. إلا أن هناك إقصاء يمارس في حق القناة في تغطية بعض الأنشطة الوطنية والقارية، كبعض الأنشطة الملكية التي تعرفها المناطق الأمازيغية. ولعلنا نتذكر إقصاء القناة الأمازيغية من تغطية منافسات كأس إفريقيا الأخير على عكس باقي قنوات القطب العمومي الأخرى.
كثر الحديث مؤخرا عن توحيد التعابير الأمازيغية الثلاث (تريفيت، تمزيغت، تشلحيت) في لغة أمازيغية معيارية موحدة لتسهيل إدماجها في مجالات مختلفة كالتعليم والإدارة والإعلام. كيف تنظرون من زاوية الإعلامي المتمرس في الميدان إلى إدماج هذه اللغة المعيارية في المجال الإعلامي السمعي والبصري العمومي الناطق بالأمازيغية في غياب مستمع أو مشاهد ناطق بها ومستوعب لها؟
حكيم كربوز: أنا ضد اعتماد اللغة المعيارية في المجال الإعلامي. هل سنحكم على تعابيرنا اللغوية (تريفيت، تمزيغت، تشلحيت) بالموت؟ فالعالم يشهد سنويا موت العديد من اللهجات والتعابير الشفوية. هذا ما تقر به منظمة اليونسكو. وقبل الحديث عن الاستيعاب والمشاهدة، أجد نفسي منزعجا من العديد من المفاهيم والمصطلحات التي أصبحت تمرر بطريقة أو بأخرى أثناء ممارستي اليومية لعملي الصحفي الإخباري.
في كلمة أخيرة، هل من نصيحة أو توجيه تقدمه للإعلاميين الجدد الذين التحقوا بالإذاعة وبالقناة الأمازيغيتين؟
حكيم كربوز: أدعو جميع الإعلاميين الذين التحقوا للعمل بالإذاعة الأمازيغية بأن يأخذوا المشعل من عند زملائهم السابقين وأن يناضلوا حتى ينالوا جميع مطالبهم المشروعة والعادلة ومن أجل ترسيخ مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص التي طالما ناضلت من أجلها. لقد حاولنا تغيير نظرة الإدارة إلى الإذاعة الأمازيغية في العديد من المحطات.
كلمة اخيرة:
أتوجه بجزيل الشكر والامتنان إلى أسرة “اصوات الشمال” متمنيا لها كل التوفيق والنجاح في مشروعهم الإعلامي الذي نتوخى منه جميعا أن يؤسس لإعلام جهوي مهني قادر على رفع التحديات والمساهمة في بناء الجهوية بالشكل الذي يرتضيه أبناء الريف لجهتهم. وأحيي من خلالهم جميع الفعاليات بالريف وبالأخص إقليم الحسيمة العزيز الذي يسكن ذاكرتي، ومساهمتها في النهوض بالإعلام الأمازيغي.
أجرى الحوار: امحمد الفردي