موقع إخباري شامل

أحمد أومغار والقيمة السياسية والأخلاقية لليسار المغربي الجديد

0

الحسين آيت يوسف

 

لقد انتابني شعور قوي  وعميق بجسامة مسؤولية الكتابة عن شخصية بارزة وذات مقام اعتباري ووازن في تاريخ اليسار المغربي الجديد، وهي شخصية المناضل أحمد أومغار رمز الشهامة والنبل والثبات المبدئي، شخصية المناضل الماسك بنبراس التفاؤل التراجيدي، القنوت والمؤمن بالرسالة التاريخية والإنسانية لمشروع اليسار الاشتراكي  الديمقراطي ببلادنا.

لقد انتابني شعور عميق وقوي بهول المصيبة، التي ألمت ببيت عائلة اليسار المغربي، عند فقداننا لهذا الرجل  ذو الطينة الأصيلة، الأثيرة. الرجل ذي المقام العالي والأثر الفضيل، في استنبات مشاتل الوعي الديمقراطي، وفتح  أوراش تقويض وكنس أصنام الوعي المتأخر.

لقد دأب الرجل باكرا، في يفاعته، أيام النقابة الوطنية للتلاميذ، ثم في عنفوان فتوته، أيام الطلبة الجبهويين، وفي كامل نضجه أيام أنوال المجيدة، وزمن توسيع الهامش الديمقراطي، وفي مرحلة الشرعية والمسؤولية التامة والقناعة الراسخة بشرعية الوعي المطابق وراهنية خيار العمل الديمقراطي الشعبي المؤسسي والجماهيري، راهنية خيار “دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع”.

لقد دأب أومغار باكرا عشق الحرية، بما هي وطن وخبز وديمقراطية فحمل ثقل العالم على كتفيه، وأدى ثمن اختياره والتزم بمشروعه.

إن اليقظة الباكرة لأومغار لا تقاس بأهميتها الزمنية الفيزيائية فقط، وإنما تقاس بحمولتها السياسية والتنظيمية وجدواها الأخلاقية الميدانية.

الرفيق أحمد أومغار، واحد من الذين بهم مس من حب الوطن، من الذين صدقوا واستماتوا، تماسكوا وعضوا على قوة إرادتهم. جادوا وأفاءوا كيل النضال الصعب والمرير. إنه واحد من الذين ثقلت موازينهم النضالية ورجحت كفة العمل الديمقراطي الشعبي، في ميزان القوى السياسي. هو واحد من الذين كانت لهم القدرة على صهر المستحيل ولي السلك بالتمام لتجدير وتبيئة العمل التنظيمي الحزبي بين ثنايا صخور الريف وفي أعماق تربته المعطاءة.

إن أحمد أومغار، عنوان، بل هو، منارة لأجيال متوالية من شباب الوطن. فهكذا مارس الرجل وعيه الديمقراطي، لا يأبه كثيرا بالمواقع المركزية ولا يحفل بالواجهات. هو ذا أومغار، حكيم في صمته، حليم في اختلافه، وحدوي في ممارسته، صلب في نضاله. يلين عند المقتضى، لكنه لا يستهين ولا يستكين عند الأذى. عملة صعبة، أصيلة واحدة، ذات وجهين: قاعدة وقيادة. إنه الذات والأداة، يناضل وفق براكسيس يساري واع بالطبيعة المركبة للبنية الرمزية والمادية للمجتمع المغربي. وبنفس القاعدة يعي الطبيعة الزئبقية والعنيدة للسلطة المخزنية ومدى تجدرها في “الذهنية المجتمعية المغربية”.

وانطلاقا من رصيده الثري في السياسة والأخلاق، واستنادا إلى وعيه النقدي للذات والأداة، خبر أومغار تجربة وحدة اليسار رفقة الإخوة، وكما كان له الأمر في الأول، عند اليقظة الباكرة، فله الأمر في اليقظة الآخرة، فهو ذو شأن، في صفوف القوات الشعبية، وعلى امتداد الوطن وسعته، من قمم جبال الريف نزولا عند  صحرائنا المغربية الفيحاء.

إن لأحمد أومغار دلالة ورنة في الصوت الأمازيغي، إنه الشيخ رمز الجماعة والجميع. وحقا كان، فهو القلعة الصامدة والتجربة الرائدة. سياسته أخلاق رفيعة، وأخلاقه رياضة بديعة، ورياضته مبادرات مدنية منيعة.

لقد أفدت منك كثيرا أيها المناضل الإنساني. أفدت منك، وأنا طالب ديمقراطي،حيث أتيحت لي فرص التلقي من دروس النقاش السياسي الرفيع، خلال عدة اجتماعات للجنة المركزية لـ م ع د ش، قبل الخلاف الأخير وإثره. وأفدت كثيرا منك في تجرية الاشتراكي الديمقراطي. فكنت المناضل البيداغوجي، الحريص على تطوير وتثوير الوعي السياسي لدى الأجيال المتلاحقة، بالقدر الذي كنت فيه  حريصا على تمنيع الذات والأداة من سيئات خيار”ضد الاتعزالية”.

إنك نموذج الإنسان، الكائن السياسي والمدني، مواطن المدينة الديمقراطية، والمؤمن بالنضال المؤسساتي الجماهيري من حيث هو أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، التي هي جوهر القضية، والتي ما كانت ولن تكون مطية.

هذا بعض مما تعلمته من أحمد أومغار، أيقونة مناضلي اليسار المغربي الجديد الأحرار. عطاؤه بيننا غزير، وطيفه علينا سلطة ضمير.

رحمك الله وأسكنك فسيح جنانه يا فقيدنا الكبير. ودمت المنارة والنبراس لكل مناضل تقدمي من أجل التغيير.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.