موقع إخباري شامل

أحمد اومغار: رجل من جمهوية ظهر المهرازك

0

ذ/ محمد الهجابي.

أذكر أنني في موسم 1978_1979 الجامعي، قبل المؤتمر 16 لأوطم بوقت، أفقت باكراً، وغادرت الغرفة، التي قضيت بها الليلة في الحي الجامعي القديم بظهر المهراز بفاس، نازلاً الدرج صوب البوابة الرئيسة التي تفضي إلى “ساحة هوشي منه”.
قد تكون الساعة لحظتها السادسة صباحاً؛ كان علي أن أحضر لمهمة حزبية؛ وكانت الساحة تبدو كما لو كانت فارغة؛ وإذ التفت شمالاً وجدت رفيقنا “السي أحمد أمغار” وحيداً ومتلفعاً في بذلته المعتادة يمشي الهوينى؛ سأعرف لاحقاً بأنه آثر أن يبيت في الخلاء، الليلة كلها، حتى لا يزعج أحدنا أو يحرجه؛ وربما لم يجر في حلقومه طعام. الحكاية يعرفها قليل من المناضلين؛ لكنها واقعة حصلت؛ كان الرجل عنيداً عناد جبال الريف الأشم. كيف لا؟ وهو ابن هذه الفضاءات الصلبة والوعرة التي ولدت لدى أبنائها طلب التحدي؛ تعرفت إليه أثناء ما كنا نتهيأ لخوض معركة إنجاز محطة عقد المؤتمر 16 للاتحاد الوطني لطلبة المغرب؛ عندما استنفرت منظمة 23 مارس، وهي في وضع من العمل سري، أطرها الذين تحملوا مسؤوليات تنظيمية في أجهزة المنظمة الطلابية (المؤتمر 15).
كان “السي أحمد أمغار” من الأوائل الذين لبوا النداء؛ ولقد جاهد لكي يكسب أكبر مسؤولي أوطم ليدعموا الجهود المبذولة لعقد المؤتمر؛ وإلى جانب الفقيد بوجمعة الحلافي والفقيد الشافعي…فضلاً عن مسؤولي المنظمة الطلابية الذين كانوا رهن الاعتقال والحبس ولا سيما بالسجن المركزي بالقنيطرة والسجن المدني بمكناس ومن خارج الوطن (هناك عرائض وبيانات ورسائل عبر بواسطتها قياديو المنظمة الطلابية على دعمهم للخطوات المبذولة في أفق المؤتمر 16)، إلى جانب هؤلاء المناضلين تحمل “السي أحمد” مسؤولياته كاملة في إنجاح هذا الاستحقاق الطلابي. بفاس، كما بغيرها من المدن الجامعية، ظل “السي أحمد” يحضر التجمعات والندوات يفسر ويوضح أهمية عقد المؤتمر، ويفند ويدحض الأطروحات العدمية التي كانت تقلل من مكسب رفع الحظر وعقد المؤتمر الطلابي.
كلنا يتذكر النقاشات الساخنة التي توزعت الجسم الطلابي وقتها. تجربة “السي أحمد” كانت حاضرة في إدارة دفة النقاش سواء داخل الحلقات أو داخل القاعات والمدرجات؛ مناضلات ومناضلو حركة 23 مارس، وفصيل “الطلبة الديموقراطيون” بفاس نسجوا علائق خاصة بهذا المناضل الجميل؛ هذا الرجل “الروبيو”، أو “الزعر”، وذو البنية الجسمية القوية التي لا تخطئها عين، وذو اللكنة الأمازيغية الريفية المعروفة؛ وكانت تربطه بفاس علاقة متميزة؛ لعلها تركيب لحنين ظل يشد الرجل إلى مناخات “جمهورية ظهر المهراز” كما عاشها في بداية سبعينات القرن العشرين بذكرياتها ومغامراتها ووقائعها، ولعله كذلك لانسجام فارز بينه وبين مناضلي فاس من حيث الأخلاق النضالية العالية والطبيعة الجغرافية المشتركة وحميمة العواطف التي تسمهم. كان “السي أحمد” يعلن في أكثر من مناسبة بأنه “يجد راحته” كلما وفد إلى فاس؛ أحبته مناضلاتنا وأحبه مناضلونا ولم يكن يشعرون أبداً بفاصل السن والتجربة.
هذا الاندماج الذي حصل بينه وبينهم ترك أثراً وازناً في دخيلة الرجل؛ شاركهم أناشيدهم وقاسمهم القعود بساحات الحي المجاورة وبالمطعم الجامعي مثلما شاركهم جلسات ب”دار ابن خلدون” وقعدات بالمقاهي المجاورة لحي”الليدو” و”ساحة الأطلس”.. كان يحكي عن المؤتمر 15 لأوطم، كما كان يحكي قصصاً حصلت بجامعة محمد بن عبد الله كان شاهداً عليها. يحكي ويضحك.
البلغيتي (صاحب دار ابن خلدون)، وهو مناضل كنا نمازحه فنقول إن ذاكرته توقفت عند سنة 1972 لكثرة ما كان يقصر حكاياته عن الوقائع الحاصلة زمنها على هذه السنوات دون غيرها من السنوات، كان يحب الرجل. لم يكن “أمغار” بالنسبة له مناضلاً عادياً. وليس وحده أمثال البليغتي من كان شغوفاً بالرجل بل ثمة مناضلون تعرفوا إليه في محطات ومنها فترة اعتقاله في إطار الحملة التي شملت مجموعة من مناضلي حركة 23 مارس بناءاً على “علاقة لهم” ب “النقابة الوطنية للتلاميذ”، ولا سيما المجموعة التي باتت تعرف ب “مجموعة 36″، يشهدون للرجل بخصال حميدة وشمائل مائزة. في المقر الرئيس لأوطم بالرباط كان السي أحمد أحد الأعمدة الأساس في التعريف بتاريخ المنظمة الطلابية وبأهمية الانطلاقة الجديدة للحركة الطلابية على قاعدة الشرعية. لعب دوراً كبيراً من أجل انعقاد المؤتمر الطلابي وأدى ما كان عليه بكلية العلوم لتنطلق جلسات المؤتمر. وعندما بدا أن المنظمة الطلابية استعادت تألقها انسحب دونما ضجيج مقتنعاً بأن للمنظمة حماتها وبأن دوره انتهى على هذا الصعيد هنا.
كان رجل بذل بدون حساب. لم يكن يحسب. ولم يكن ينتظر ثناءاً. كان يناضل فحسب. ثقته في رفاقه لم تكن تحتاج منه إلى اختبار للنوايا. لكأن الرجل ظل يشتغل بناءاً على نظام داخلي يقوم على موروثات “المركزية الديموقراطية”، ولكأن لسان حاله بقي ينمش له على الدوام: “نفذ يا السي أحمد ثمّ ناقش بعد ذلك”. هذا طبع الرجل. وهذا هو أحمد أمغار.
أمغار! رجل المبدأ بالأساس ورجل التزام. السمات هاته أكدها في تجربته النقابية بالكونفدرالية الديموقراطية للشغل وفي النقابة الوطنية للتعليم بالدار البيضاء. احتفظ “السي أحمد” بعلائقه مع مختلف المناضلين الذين تقاطعت معهم سبله. كانت ابتسامته وذرعاه تسبقه. وحينما يرسل ضحكته المميزة عالياً، فلأن الرجل يضحك عن عفو خاطر.
في وقت ما ضاقت به الجبال الأسمنتية لمدينة الدار البيضاء، وهفت نفسه إلى الريف العظيم، فجمع متاعه ذات بدايات الثمانينات ورحل إلى حيث يستقيم له المقام. بدا له للحظة أن الريف لربما يناديه ويستقدمه. هنا بالحسيمة، هنا إناؤها بامتياز. وبهذه المدينة الجميلة، هنا ب”بيا”، على مشارف البحر الأبيض المتوسط، سيواصل “السي أحمد أمغار” نضاله “من أجل الوطن والخبز والديمقراطية” ومن أجل “دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع”. وكما لم يفوت فرص حضوره البهي في محطات حركة 23 مارس نحو أفق العمل الديموقراطي والشرعية (صدور جريدة “أنوال”، نقاش الديموقراطية والشرعية 1979، الندوة التأسيسية 1983، مساندة القوى الديموقراطية في استحقاقات 1984، ندوة حركة الشبيبة الديموقراطية لسنة 1985، ثم مؤتمر المنظمة لسنة 1986 حيث انتخب عضو في لجنتها المركزية. حضر السي أحمد كل المحطات الفارقة التي أرادت فيها المنظمة تكريس خيارها الفكري والسياسي الديموقراطي مساهماً ومشاركاً ومقرراً. محطات عديدة سيبصم عليها بقوة أيضاً، انطلاقاً من معارك نقابية واجتماعية إلى معارك انتخابية لأجل إسماع صوت منظمة العمل الديموقراطي الشعبي. وكسب أكبر دعم لتوجهاتها وتوسيع إشعاعها.
كان “السي أحمد” الوتد الرئيس لخيمة المنظمة بالحسيمة والنواحي. وعبرها نحت اسماً له يليق بالتاريخي النضالي لأهلها ولساكنتها منذ الأزل. وقفت شخصياً على مدى تقدير شباب المدينة للرجل واعتزازهم بوجوده بين ظهرانيهم. إذ لم يكن يتوانى في تقديم خداماته لفائدتهم وللمدينة.
زرت الحسيمة مرات، وزرتها بخاصة منذ 2006 لأجل الإعداد لعمل سردي طويل لي اتخذ فضاءاتها مسرحاً لوقائعه. وكنت كلما فكرت في الزيارة إلا وقفز اسم “السي أحمد” قدام شاشة نظري. ولكم سعيت في كل زيارة للالتقاء به. هاتفته مراراً، فلم يكن يرد. سألت عنه أصدقاء بالمدينة فأخبروا بأنه قليل الظهور. وقالوا إنه مريض. ولم تعد بنيته الجسدية القوية تسعفه لمجابهة آثار المرض قالوا إنهم يصادفونه أحياناً يجوب أزقة المدينة وشوارعها معتمراً قبعة ومتجلبباً وقد استف المرض ملامح وجهه النظر، لكنه سرعان ما يحتجب لأيام. وكنت كلما غادرت الحسيمة تأسفت لعجزي عن مجالسته.
وفي غضون السنة الجارية، وبينما كنت رفقة عزيزي حميد بها ببيته بفاس، في جلسة سمر صحبة العزيزين السي أحمد قاشا والسي عبد الهادي الزوهري، حدثتهم عن جولاتي إلى الحسيمة، ومنها عرجنا إلى سيرة “السي أحمد أمغار” فأصابتنا نوبة حنين إلى الرجل، وفي التو هاتفناه، واجرينا معه حديثاً ودياً. لم نكن نعرف أنه سيكون آخر حديث لنا معه. لم نكن نعرف ذلك للآسف الشديد.
الآن، وقد غادرنا “السي أحمد أمغار” فماذا نحن فاعلون؟ كيف يغادرنا مناضل قدم عصارة عمره في سبيل إقامة العدل والمساواة بين ساكنة هذا الوطن، ثم يمضي كما لو لم يمر بيننا وحذاءنا ومعنا وإلى جانبنا؟ كأنما لم يكن؟ لم تكن لهذه المكاسب التي تحققت على أصعدة عدة، أقلها على صعيد حقوق الإنسان والحريات العامة، لو لم يكن ‘السي أحمد أمغار” ومن شاكله وماثله وشابهه وهم كثيرون بلا عد، قدم جزءاً ثميناً من عمره وحياته لأجل ذلك. كيف يمضون؟ هل تكفي هذه العبارات، في أسطر معدودة، لتفي حقهم؟ لم يخلفوا كتاباً ورقياً لا ديوان شعر ولا رواية ولا ألبوم أغنية ولا دور بطولة في شريط سينمائي ولا لوحات تشكيل بمتحف فنون.. لم يتركوا شيئاً من هذا. كل ما أجادوا فعله حقاً هو عمل نضالي يومي (ولكم هو متعب ومضني وقاس وحارق!) لأجل أن نسعد نحن. لكي يسعد آخرون. كم هو ظالم حقاً هذا الزمن!
وداعاً السي أحمد أمغار، أيها الرجل الفذ، وداعاً رفيقي.
نصيحة: رجاءاً، لا تتخلفوا عن عناق من تعرفتم إليه وصادفتموه في طريقكم والطبطبة على ظهره، ولا تتخلفوا عن زيارة صديق (أو السؤال عن أحواله)، وقد سبق أن جمعتكم به آصرة قوية في مسار حياتكم، فقد تفوّتوا المناسبة، ولن يبقى لكم، ساعتها، سوى الحسرة وهي لا تنفع كما تعلمون.
دجنبر 2012

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.