قال أبو حامد العربي بن سيدي يوسف الفاسي، المتوفى بتطوان في كتابه “مرآة المحاسن” : (ووسموا المغاربة بالإهمال ودفنهم فضلاءهم في قبر تراب وإخمال، فكم فيهم من فاضل نبيه طوى ذكره عدم التنبيه، فصار اسمه مهجورا كأن لم يكن شيئا مذكورا).
1 ـ نسبه ومولده:
هو الأستاذ العربي ابن الحاج علي الشهير باللوه بن عمر بن زيان بن حمو العمارتي، أبوه علي اللوه من أعيان قبيلة بقوية وأغنيائها، شارك في حرب الريف الثانية بقيادة الأمير الخطابي وتوفي سنة 1927. وحول أصل كلمة “اللوه” نورد ـ بدون تعليق ـ ما ذكره مؤرخ المملكة عبد الوهاب بن منصور في الجزء الأول من كتابه (أعلام المغرب العربي)، في معرض ترجمته للأستاذة آمنة بنت عبد الكريم اللوه، حيث قال: (…يقال أن أصل الكلمة اعليلو تصغير علي، فقسم الاسم وصار علي اللوه، ولكن رأيت اسم اللوه مكتوبا كما ينطق به اليوم في وثائق قديمة محفوظة بالقصر الملكي….).
ازداد المؤلف سنة 1323 هـ الموافق ل 1905م، بقرية تيغنمين من قبيلة بقوية المجاورة لمدينة الحسيمة، والممتدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث تربى في كنف والدته الحاجة عائشة بنت الحاج محمد التسولي وتحت رعايتها.
2 ـ دراسته الأولى والثانية:
وعلى عادة أقرانه في تلك الفترة، تردد على كتاب قريته (رمسيذ) فتمكن من مبادئ الكتابة والقراءة وحفظ القرآن الكريم وبعض المتون العلمية، ولما أصبح يافعا تاقت نفسه إلى تلقي المزيد من العلوم، فقصد بعد انتصار أنوال بنحو شهرين، قرية سيدي بوسياف من قبيلة بني خالد الغمارية، حيث تلقى فيها على يد الشيخ السي بلحاج مدة سبعة أشهر، مبادئ العلوم الدينية والعربية وبعض علوم القراءات، ثم يمم وجهه شطر قرية الشوبية بقبيلة وادراس بمنطقة جبالة، فلازم هناك لمدة سنتين الشيخ الفقيه محمد بوتفاح، الذي لقنه علوم العقائد والفقه والفرائض والنحو والصرف، وبعد ذلك شد الرحال إلى قرية الجبيلة الواقعة بجبل حبيب من نواحي طنجة، حيث لازم الشيخ المشهور محمد الأندلسي، إلى أن توقفت الدراسة بسبب اندلاع حرب الريف التحريرية بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وامتداد شرارة هذه الثورة الوطنية إلى القبائل الجبلية.
أراد الالتحاق بجامعة القرويين بفاس التي كانت قبلة العلماء و مهوى أفئدة الطلبة من كل الأصقاع، لكن الحصار البري والبحري المضروب على المنطقة من قبل الإستعمارين الفرنسي والإسباني، والمنع الذي أصدره ابن عبد الكريم للريفيين بعدم الهجرة تفاديا لإفراغ المنطقة من رجالها وحماتها،حالا دون تحقيق رغبته الجامحة في إكمال دراسته، غير أنه استطاع بمشقة الأنفس التسلل إلى الجزائر (ركزاية) عبر وجدة، رفقة مجموعة من العمال الريفيين الذين كانوا يشتغلون بضيعات المعمرين الفرنسيين، مغيرا اسمه إلى محمد بدر الدين بن عبد الله المغربي من مدينة طنجة، ومن هناك أكمل طريقه (بدون جواز السفر ولاحتى بطاقة التعريف) إلى تونس العاصمة التي وصلها سنة 1342 هـ 1923م حيث انخرط مباشرة ـ بعد قبوله في الامتحان من قبل النظارة العلمية ـ بجامع الزيتونة الشهير، الذي كان علماؤه يعقدون مجالسهم العلمية بالجامع الأعظم بالعاصمة في علوم شتى، منها علوم العقائد والفرائض والمنطق والنحو والبلاغة والتاريخ والجغرافية، وكذا مبادئ الهندسة والحساب وأدب البحث والمناظرة وغيرها من العلوم، فدرس هناك على أجلة العلماء وكبار الشيوخ نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور والعلامة محمد الصادق النيفر والشيخ السيد صالح المالقي، والشيخ محمد الشاذلي الجزيري والشيخ عثمان ابن الخوجة و الشيخ بلحسن بن محمد النجار وغيرهم كثير.
وقد تخرج من الجامعة المذكورة سنة 1348 هـ 1929م بحصوله على شهادة العالمية(التطويع)،
مذيلة بإمضاء الشيوخ أحمد بيرم ومحمد الطاهر ابن عاشور ومحمد رضوان وصالح المالقي، كما أجازه في الرواية الشيخان بلحسن النجار والبشير النيفر، غير أنه مكث هناك سنة إضافية للاستزادة من أنوار المعرفة وحضور ندوات مشايخ الزيتونة ونبغائها، إلى أن التحقت به والدته الحاجة عائشة سنة 1349هـ 1930م، قادمة من الديار المقدسة بعد أدائها فريضة الحج فعادا معا إلى المغرب.
3 ـ وظائفه ومناصبه العلمية:
مباشرة بعد رجوعه إلى الريف شرع في ممارسة التطبيقات الفقهية والنوازل القضائية، بإشراف وتوجيه من العالم الكبير في فقه النوازل المرحوم علي الخمليشي، بيد إنه سيعين في 15 يونيو 1931 قاضيا لقبيلة بني يدر الجبلية، ثم نائبا لمدير الأحباس بالناظور في 10 دجنبر1932، ثم مستشارا شرعيا بنيابة الأمور الوطنية بمدينة تيطاوين سنة 1354 هـ 1935م، وفي نفس السنة كذلك عين رئيسا لكتابة الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) في الحكومة الخليفية، التي كان يترأسها الفقيه محمد بن عزوز، فكاتبا عاما للصدارة بتاريخ 23 غشت 1952، ثم عين وزيرا للأحباس بالحكومة الخليفية بمنطقة الشمال في 28دجنبر 1954، دون أن ننسى توليه لفترة طويلة وبصفة مؤقتة إدارة شؤون مكتب رئيس المحكمة العليا للعدلية المخزنية بنفس المدينة.
أما المناصب العلمية التي تبوأها العربي اللوه في سلك التربية والتعليم، فنشير إلى تعيينه مدرسا بالمعهد الديني الثانوي منذ سنة 1935، وأستاذا بالمعهد الديني العالي في 10 فبراير 1945، وأستاذا جامعيا بكلية أصول الدين التابعة لجامعة القرويين، فعميدا لنفس الكلية إلى حين وفاته، فضلا عن مزاولته لمهنة الفتوى بالريف (الحسيمة والناظور) وتطوان.
4 ـ وطنيته وحسه النضالي:
أثناء حرب الريف التحريرية في عشرينيات القرن المنصرم، لعب العربي اللوه دورا مهما في دعم المقاومة الريفية، حيث كان يقوم بدور الوساطة بين زعماء القبائل الجبلية (بني منصور، وادراس، بني يدر، جبل حبيب…) لتحريضهم ضد الإسبان، وبين أخيه عبد الكريم المستقر بمدينة طنجة، والذي كان يزود المقاتلين بالمال والسلاح، وكان مشهورا في طنجة والمغرب بل حتى في الجزائر بقيامه لأدوار سياسية لصالح الثورة الريفية، ولم يكتف العربي اللوه بهذا حسب ماجاء في بعض المصادر، بل حمل السلاح في وجه المستعمر الإسباني وقاوم إلى جانب إخوانه، وهذا مايظهر لنا من مشاركته في الحملة التطوعية التي أرسلها رئيس زاوية اسنادة ببني يطفت الشريف احميدو الوزاني، إلى الجهة الغربية من الشمال لمساندة المجاهدين بناء على طلب من أحمد الريسوني، وكذا سفره بمعية بعض أفراد قريته إلى نواحي الناظور سيرا على الأقدام، بعد استشهاد محمد أمزيان بحوالي شهرين. ولما عزل محمد الخامس عن عرشه ونفي يوم 20 غشت 1953، ونصب مكانه محمد بن عرفة، لم تعترف به الحكومة الخليفية التي كان مقرها بمدينة تيطاوين، بقيادة مولاي المهدي بن اسماعيل خليفة صاحب الجلالة على منطقتي الشمال وإفني، والتي كان العربي اللوه يشغل بها منصب وزير للأحباس، واستطاع رفقة زملائه في الحكومة الخليفية أن يغير من توجهات السياسة الإسبانية لصالح المغرب، والاعتراض على ما فعلته السلطات الاستعمارية الفرنسية، توج هذا الدور المهم بتحرير عريضة ممضاة من قبل وزراء حكومة الشمال فضلا عن العلماء والأشراف والتجار، والقضاة والأعيان والقواد والباشوات من رجال شمال المغرب، وجهت للمندوب السامي الإسباني بالمغرب دون رفائيل غارسيا بالينيو، الذي ألقى خطابا بساحة سانية الرمل بتطوان في فبراير سنة 1954، انتقد فيه بشدة السياسة الفرنسية بما فيها نفي الملك محمد الخامس؛ واستكمالا لمسيرته النضالية هاته، ورغم إيمانه العميق “…بأن التحزب أو الحزبية ماهي إلا من أعضل المعضلات التي تمزق الشعوب وتشتت كيانها وتبدد أوصالها…” فقد شارك بعد استقلال المغرب في أول انتخابات برلمانية أجريت سنة 1963 وفاز بها.
5 ـ آثاره العلمية:
رغم إن الأستاذ العربي اللوه عاش 83 سنة، غير أنه لم يبدأ في تدبيج مؤلفاته إلا في وقت متأخر من حياته، حيث أصدر أولى كتبه وهو في السبعين من عمره، وقد يكون هذا راجعا بالدرجة الأولى إلى كثرة انشغالاته، ومدى جسامة المسؤوليات التي تحملها طيلة حياته، لذلك ترك لنا أربعة مؤلفات فقط قام بطبعها على حسابه الخاص، نوردها كما يلي:
1 ـ (أصول الفقه) وهو كتاب في فلسفة التشريع الإسلامي انتهى من تأليفه سنة 1968، أولى طبعاته كانت بتطوان سنة 1970 بعد أن روجعت ثلاث مرات سنة 1969، والثانية بتطوان كذلك عن مطابع الشويخ ديسبريس سنة 1984، بينما الثالثة كانت سنة 2007 عن مطبعة الخليج العربي بتطوان، تناول فيه بكثير من الدقة المنهجية تعريف علم أصول الفقه ومصادر التشريع الإسلامي، ونشوء مختلف المذاهب الإسلامية وأعلام هذه المذاهب والأصول التي استندوا عليها، إلى غير ذلك مما يرتبط بهذا المجال.
2 ـ (الرائد في علم العقائد) وهو كتاب في علم العقائد الإسلامية، طبع لأول مرة بتطوان سنة 1973، والطبعة الثانية كانت عن مطبعة النور بتطوان سنة 1983، في حين صدرت الطبعة الثالثة سنة 1996 عن مطبعة الحداد يوسف إخوان (الهداية) بتطوان، عرف فيه علم العقائد وأعطى نبذة عن تاريخه، وفصل الكلام في علم التوحيد والوحي وأنواعه، وعدد الأنبياء والرسل وصفاتهم وغير ذلك كثير.
3 ـ (المنطق التطبيقي) وهو كتاب في علم الميزان، صدرت طبعته الأولى سنة 1975عن مطابع ديسبريس بتطوان، في حين نجهل تاريخ ومكان صدور الطبعة الثانية، بينما الطبعة الثالثة من الكتاب خرجت إلى الوجود سنة 2008 عن مطبعة الخليج العربي بتطوان. عرف في مؤلفه هذا علم المنطق مبينا فضله ومزاياه، ساردا مبادئه وأركانه وفروعه ومداخله إلخ.
4 ـ (المنهال في كفاح أبطال الشمال) وهو كتاب تاريخي صدرت طبعته الأولى بتطوان سنة 1982 عن مطبعة الشويخ ديسبريس، وثق فيه للأعمال البطولية التي قام بها المقاومون بالشمال ضد الاحتلالين الإسباني والفرنسي، وما قدموه من تضحيات جسيمة في سبيل وحدة الوطن وتحريره. كما أن هناك مجموعة من الفتاوى الفقهية تنتظر من الباحثين والمهتمين جمعها وإخراجها إلى حيز الوجود.
6 ـ وفاته:
بعد مسيرة علمية زاخرة بالعطاء، انتقل العربي اللوه إلى جوار ربه يوم الخميس 22 ذي القعدة 1408هـ الموافق لسنة 1988م، وصلى عليه العلامة أحمد بن تاويت دفن بعدها بمقبرة سيدي المنظري خارج باب المقابر بتطوان.
7 ـ على سبيل الختم:
رغم كل ما قلناه في هذه المقالة البسيطة، فإن جوانب عدة من شخصية هذا العالم الفذ لم تقدم للقراء بعد، أو قدمت لهم من قبل أشخاص قلائل بشكل لم يشفي غليلهم بعد، نظير تاريخ الرجل النضالي واتجاهه السلفي في محاربة البدع والأهواء، وأفكاره الفقهية المتضمنة في فتاواه التي تحتاج إلى من يجمعها، وكذا آراؤه السياسية، وهنا أستحضر فعاليات الندوة العلمية اليتيمة التي أقيمت في عاشر نونبر من سنة 1996، بغرفة التجارة والصناعة والخدمات بالحسيمة، من قبل نظارة الأوقاف بالمدينة بتنسيق مع المجلس العلمي لإقليمي الناظور والحسيمة، حول موضوع (العلامة الفقيه سيدي العربي اللوه وآثاره في الميدان الديني)، حيث تدخل فيها كلا من الدكتور ادريس خليفة قيدوم كلية أصول الدين بتطوان، والدكتور اسماعيل الخطيب أستاذ بالكلية المذكورة،والأستاذ أحمد بودهان عضو المجلس العلمي للناظور والحسيمة، وأحمد الخطابي الأستاذ بنفس الكلية، بيد إن مجهودات عدة يجب أن تبذل في هذا الاتجاه، من أجل نفض الغبار عن أمثال هذا العلامة النابغة، لاسيما من قبل الباحثين المنتمين للمنطقة والمشتتين في مختلف الجامعات المغربية، فما حك جلدك مثل ظفرك!.
الهوامش:
1 ـ (أعلام المغرب العربي) الجزء الأول، عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، 1979، ص: 15.
2 ـ (إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين) محمد بن الفاطمي السلمي الشهير بابن الحاج، الطبعة الأولى 1992، ص: 469 – 471.
3 ـ مقال (العربي ابن الحاج اللوه) جريدة تيفراز ن أريف، العدد 13، ماي 2004.
4 ـ مقال (العلامة المناضل العربي اللوه) عبد الصمد العشاب، جريدة “الشمال” عدد 374 / 28 نونبر إلى4 دجنبر 2006.
5 ـ توجد ترجمة مختصرة للعربي اللوه في الواجهة الخلفية لكتبه، في طبعاتها الأخيرة (أصول الفقه) و (الرائد في علم العقائد) و (المنطق التطبيقي).
6 ـ توجد ترجمة وافية للعلامة اللوه في كتابه (المنهال في كفاح أبطال الشمال)، مطبعة الشويخ ديسبريس، تطوان، الطبعة الأولى 1982، من ص355 إلى ص360.
** شكر خاص للساهرين على خزانة ثانويتي مولاي علي الشريف و الإمام مالك، الذين سهلوا لي مأمورية البحث في الرصيد المكتباتي المتوفر في المؤسستين المذكورتين.
ذ/الغلبزوري فؤاد