احتضنت مدينة الحسيمة، خلال الأسبوع الأخير من رمضان 1445 تظاهرة أطلق عليها المنظمون “الأمسيات الدينية الرمضانية في فن المديح والسماع وتجويد القرأن الكريم” وإذا كان لا أحد ينكر أهمية هذه التظاهرات الثقافية، الدينية والفنية، فإنه بالمقابل ثمة ملاحظات أساسية يجب الإدلاء بها في الجانب الفني للتظاهرة.
ولعل أولى هذه الملاحظات أن التظاهرة عرفت مشاركة فرق فنية من عدة مناطق إلا الحسيمة، كانت المشاركة من مشارق الوطن وشماله، بل من أقصى شمال شرقه، إلا من المدينة المنظمة للحدث، حيث جاء في الإعلان أن مجموعات إنشادية في فن المديح والسماع والموسيقى التراثية من طنجة، شفشاون، فاس، مكناس، تازة وبركان شاركت في هذه الأمسيات الرمضانية.
نعم شاركت في هذه الأمسيات فرق عيساوة، الموسيقى الأندلسية، الحضرة الشفشاوني، ولا مجموعة فنية واحدة تحمل هوية المدينة أو الإقليم والريف، سواء على مستوى النمط الموسيقي، أو على مستوى لغة الأداء، وكأن المنطقة ليس بها من يؤدي فن المديح والسماع باللغة الأمازيغية أو باللهجة الريفية، ولا أظن هناك مبرر لهذا الإقصاء سوى إذا اقتنع المنظمون بأنه من اللازم شرعا أداء هذا الفن باللغة العربية ومن لم يستطيع، فعلى الأقل، بالدارجة المغربية!
ست مؤسسات عمومية التأمت بجلالة قدرها، لتنظم حدثا فنيا ممسوخا، فقد تجمعت المديرية الإقليمية للثقافة، المجلس العلمي المحلي، المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية، جماعة الحسيمة، وبتنسيق مع المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة وتحت إشراف عمالة الحسيمة لتنتج في الأخير تظاهرة هجينة وغريبة عن البيئة الثقافية للمنطقة.
صراحة لا أفهم كيف يتم تنظيم تظاهرة من المال العام، بهذا القدر من المسخ، وتحظى فوق هذا وذاك، باهتمام مؤسسات كان من الواجب عليها أن ترعى التعددية، وتعمل على حماية الديمقراطية الثقافية عوض إقصاء كل ما هو محلي، خاصة وأن الأنماط الموسيقية المحلية حبلى ب “منتخبات” لا تخلو من “التعابير” الدينية، الصوفية والروحية، فالأغنية/القصيدة الأمازيغية تتضمن كل الأغراض، فمثل ما تناولت الغزل، الحب، الحرب والهجاء تناولت المناجاة، ومدح الرسول (ص) خاصة في ما يعرف ب “أغاني الزهد”
هكذا وفي زمن الحديث عن التعددية والتنوع، حفظ التراث والذاكرة والهندسة الثقافية، وغيرها من شعارات القاعات المكيفية واللقاءات العابرة تنتصب أمامك ممارسات ومشاهد الإقصاء الممنهج، وبتمويل من المال العام، بل وبإشراف من مؤسسات كان عليها التريث وعدم الإسراع في تنظيم تظاهرة لا تمثل إلا أصحابها ولا تعبر عن البيئة الثقافية للمنطقة.
وحتى يدافع المنظمون عن نهجهم الإقصاىي وجهلهم بمكونات الثقافة المحلية – وربما تحت تأثير وجدانهم الشخصي، وليس الجماعي، أو دفاعا وإحسانا إلى أنماط موسيقية أخرى- قالوا أن المنطقة ليست بها فرق فنية للسماع والمديح، وكأن ساكنة المنطقة مفروض عليها أن تستمع في أَمَاسِي رمضان الى السماع والمديح بالطريقة التي يؤدى بها في باقي المناطق المغربية.
وخطورة هذه النازلة لا تكمن فقط، في الذي غامر ب “علمه” وقدم هذا المبرر، أي عدم وجود مجموعات إنشادية للسماع والمديح بالمنطقة، أو في المعطيات التي استند إليها لإستنباط وإقرار هذا الحكم؟ ولكن تكمن أيضا في هذا التوجه العبثي لبعض المسؤولين، فمندوبية الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي لو رفعوا أبصارهم قليلا خارج مكاتبهم لأصابهم الذهول من غنى وتنوع “الريبرتوار” الفني المحلي في بعده الديني.
أما المؤسسات الساهرة على “السياسة الثقافية” في هذا الجزء من الوطن فيبدو أنها تائهة في “الجغرافية الثقافية” وتعاملها مع الثقافات المختلفة للمجتمع بمنطق المساواة، وبمقاسات ديمقراطية، غير وارد لديها وهي “تخطط” و”تؤطر” و”توجه” الكثير من الفعاليات والتظاهرات
