كثيرة هي القضايا التي ظلت تشغل بال المفكرين والفلاسفة على مر العصور دون أن تجد طريقها إلى الحسم، فتبقى مشرعة على كل الأسئلة والإحتمالات، أو تبقى على الأقل محافظة على راهنيتها في النقاش كل حين وزمان، ولعل من بين هذه القضايا تلك التي حاولت أن تتتاول العلاقة الملتبسة بين السياسة والأخلاق، وتبحث عن حدود الإتصال أو الإنفصال بينهما.
وإذا كان الإختلاف قد ظل قائما بين الفلاسفة والمفكرين حول هذا الموضوع فإن “الفصل والحسم” سرعان ما أتى من داخل “العبقرية المغربية” وبالضبط من الطبقة السياسية، وأهم ما حمله هذا الجواب أنه خلاصة عقود من “الدراسة الميدانية” التي اشتغلت بالخصوص على عينات من “القبة المحترمة وممن ولجها من شر الدواب”
يبدو أن المشهد السياسي والحزبي، لدينا، قد حسم النقاش مبكرا في سؤال السياسة والأخلاق، وأصبح طرحه غير ذي جدوى ولا ذي معنى، لأن “الجواب” أتى بما يفيد اليقين أن السياسة في هذا الوطن لا تستند إلى أية أخلاق كيقما كانت طبيعتها او نوعها، وأن السياسة لا تستعير لغتها فقط، بل تستعير حتى الممارسة والسلوك.
إن الجواب الذي أتى من بلد احتضن أقدم إنسان عاقل لم يقف عند حدود الفصل بين السياسة والأخلاق، وإنما أكد، أن البعض ممن ولج عالم السياسة والأحزاب لا أخلاق له أصلا، ولا قيم لديه، لأن ما يأتونه من فظائع هي إلى أفعال “شر الدواب” أقرب منها إلى أفعال الإنسان السوي، ويأتون كل ما ورد عليه الوعيد بالنار والعذاب واللعنة.
والشاهد على هذا الإستنتاج، عند المغاربة، تلك الفضائح التي أضحت تعبش على وقعها الطبقة السياسية، حيث تأكد للجميع أننا نعيش زمن “الإنتقال الفضائحي” بعد “التجاوز المرن” للجيل الأول من الفضائح التي تهم استغلال النفوذ، الزبونية، اختلاس وتبذير المال العام، سوء التدبي، وبعدما تحقق المبتغى وحصل معها”التطبيع”
لا أدري ما الذي حصل حتى انتقلت الطبقة السياسية من التنظير للإنتقال الديمقراطي وبعده الإنتقال الرقمي والإنتقال الطاقي دون أن ننتبه لهذا “الإنتقال القيمي” والخطر الذي داهمنا “في السياسة ومن السياسة” حين ولجها بعض المرضى النفسانيين الذين لا يجدون حرجا في ممارسة التحرش الجنسي، الإغتصاب، الإتجار بالبشر، والتشهير بالحياة الخاصة للأشخاص.
ففي سياق هذه الإنتقالات، التي تكاثرت وتشابهت علينا، تأكد للمغاربة أن القلوب المريضة هي مَظان هذا “الجيل الجديد من الفضائح” فالذي يأتي بمثل هذه الممارسات داخل الحزب، النقابة والبرلمان ليس بالشخص السوي، ومن المؤكد أنه أتى بما هو أفظع وأبشع.
فالسياسي الذي يأتي بمثل هذه الفظائع ويتَفَاحَشَ أَمَامَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَحْيِ فمن المؤكد أنه ينتمي إلى سلالة “مزدق الزرادشتي”، والذي استباح حرمة نساء الحزب وباقي المواطنات واستغل وضعهن الإجتماعي فمن المؤكد أنه سبق وأن تجاسر على “عيشة” أسرته واستباح المحارم، ولم يعر اهتماما للمقامات ولا لأحكام العلاقات