كثير هو اللغط الذي صاحب، أخيرا، إفلاس معمل حليب الريف/ النكور بإمزورن، كل طرف يحاول أن ينتج ويروي سرديته الخاصة، دون أن ينصب الحديث عن المشاكل الحقيقية التي دفعت بهذه الوحدة الإنتاجية “الإجتماعية” إلى الإفلاس، بل أكثر من ذلك يتم الحديث عن “التفويت” و”التبني” و”إعادة فتحها وتشغيلها” و”إيجاد حزمة من الحلول” دون الإشارة إلى كيف حدث ذلك ومتى؟ ووفق أية مساطر وإجراءات؟ ودون تحديد من المسؤول أصلا عن هذا الإفلاس الذي كلف، على مدى 35 سنة، الملايين من ميزاتية الدولة
أخر الأرقام التي أعلن عنها رسميا كانت تتحدث عن تخصيص مبلغ 37.5 مليون درهم لبناء وتجهيز مصنع جديد على مستوى المنطقة الصناعية لإمزورن، وذلك في إطار الدعامة الثانية من مخطط “المغرب الأخضر” لتنمية سلسلة إنتاج الحليب بإقليم الحسيمة، حيث كان من المرتقب أن يتم، ضمن هذا المشروع الذي انطلق سنة 2016، تزويد المعمل بخطوط إنتاج مجموعة من مشتقات الحليب، منها خط إنتاج “الياغورت” بحوالي 200 مليون سنتيم
هذا المشروع، الذي كان قد اطلع على سير أشغاله عزيز أخنوش سنة 2017 حين كان وزيرا للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، قيل بأنه سيمكن من إنتاج 20 طن من الحليب يوميا، ومن معالجة 6,5 مليون لتر في السنة، وبالتالي المساهمة في الرفع من مداخيل الفلاحين المنتجين للحليب المنخرطين في ست تعاونيات بجماعات ٱيت بوعياش، آيت يوسف وعلي، النكور، أجدير، تيفروين، وكذلك أربعاء تاوريرت.
وفي الوقت الذي يفترض فيه البحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت بهذه الوحدة ألإنتاجية إلى الإفلاس، بالرغم من كل السخاء المال الذي حظيت به منذ إحداثها، نجد البعض يحاول أن يفتعل معارك هامشية حتى يتمكن من تحوبل النقاش من فرضية الفساد إلى ملفات فرعية، والهدف هو ألا تتجه إليه أنظار المحاسبة، وأن لا تكتشف طبيعة وحجم الإختلالات المالية والإدارية داخل هذا المصنع وداخل اتحاد التعاونيات الفلاحية لأجدير الذي له سوابق في الإفلاس.
فحكاية مصنع الحليب بإمزورن، الذي كان يشغل حوالي 60 عاملا ويقتني الحليب من ست تعاونيات يقدر عدد منخرطيها بما يزيد عن 2000 فلاح، ليست بالحالة الوحيدة أو المعزولة داخل اتحاد التعاونيات الفلاحية لأجدير، فقد سبقته إلى الإفلاس، وفي ظروف غامضة، وحدة إنتاج أعلاف المواشي التي كانت بدورها مملوكة لهذا الإتحاد دون أن يقتح تحقيق أو بحث في الموضوع للوقوف على ملابسات هذا الإفلاس.
وأمام هذا الوضع أصبح من المفروض على السلطات الوصية أن تفتح تحقيقا شاملا حول ملف هذا الإتحاد، الذي “ابتلع” من المال العام ما لا يعد ولا يحصى، وأن يتم البحص مع التعاونيات المشكلة له ووضعيتها المالية والإدارية وعدد الفلاحين المنخرطين فعلا بهذه التعاونيات، وحول كميات الحليب التي كانوا يزودون بها المعمل، وهل بالفعل الذين كانوا يستفيدون من “امتيازات” هذا الاتحاد، المتعلقة بالإقتصاد الإجتماعي والتضامني، هم فلاحون كل واحد منهم يملك أبقاره أو فقط يداولونها بينهم؟
وقبل هذا وذاك، يجب استدعاء رؤساء اتحاد التعاونيات الفلاحية ومسؤولي المصنع للتحقيق معهم حول حجم الدعم المالي والعيني الذي استفادت منه هذه التنظيمات التعاونية وكيف تم صرف هذا الدعم، وأظن أن البعض من هؤلاء الذين يطالبون اليوم، يدون خجل أو حياء، بتدخل السلطات المحلية ووزارة الفلاحة لدى البنوك لإلغاء الغرامات والزيادات التي ترتبت عن ديون الإتحاد مكانهم الطبيعي الذي يليق بأفعالهم هو السجن ولا غيره.
نعم في الوقت الذي كان فيه الراي العام ينتظر إحالة هذا الملف على التحقيق القضائي ومحكمة جرائم الأموال، نجد الجميع يسارع الزمن بمبرر “الإكراهات الإجتماعية” لتفويت هذا المصنع إلى “تعاونية حليب الشمال كولينور” وفي الوقت الذي كان فيه منتجوا الحليب ينتظرون تدخلا لرفع الضرر الذي لحق بهم جراء تنصل المعمل واتحاد التعاونيات الفلاحية لأجدير من اداء مستحقاتهم نجد ممثلوا الفلاحين في غرفة الفلاحة يدعمون رئيسهم في “الإستيلاء” على المصنع.
وحتى نفهم، ربما، مغزى الصمت الرهيب والمطيق لممثلي الفلاحين بالحسيمة في الغرفة الفلاحية، طبعا بما فيهم ابن أبي طاهر المنشغل بالأمن الغذائي، يجب أن نعلم أن رئيس المجلس الإداري لتعاونية حليب الشمال “كولينور” التي ترغب في “تبني” مصنع الحليب بإمزون ليس سوى عبد السلام البياري الذي يترأس الغرفة الحهوية للفلاحة عن حزب التجمع الوطني للأحرار، واظن من استعمل لفظ “التبني”، وهو يتحدث عن هذه الصفقة، كان دقيقا للغاية لأن “التبني” غالبا ما يحصل لليتيم، وهذا حال مصنع حليب الريف بإمزورن.