السكناوي الغبزوري
كثيرة هي الوقاىع والأحداث التي كسبت تعاطفا كبيرا من طرف المغاربة والعالم؛ ومنها من كان سببا في انطلاق “سيل” من المظاهرات والاحتجاجات…واثبتت أننا “شعب قرية واحدة” وأننا بمنسوب عال من العاطفة والتضامن..
ومهما قلنا عن خلفيات هذا التضامن وهذه الظاهرة فهي تظل لحظة توهج في ثقافتنا وتكويننا الاجتماعي وواحدة من اسس مشتركنا الكوني؛ غير ان السؤال المطروح لماذا يبقى تعاطفا وانفعالا لحظيا فقط…
بمجرد ما يمضي الوقت حتى ينبعث فينا الشر ويصطف “الانسان العالمي” وراء حدود ومعارك وحروب؛ وتبدأ آلة صنع الكراهية والتفرقة؛ والاكثر من ذلك تبدأ لعبة النسيان في دفع هذه المآسي -التي نعتقد انها ملهمة- نحو ركن قصي من ذاكرتنا…
كل مرة نكتشف أنه يغيب فينا “التعاطف الاستراتيجي” الذي يجب ان يكون محفزا للفعل الداىم والمؤثر؛ وان يكون هذا التعاطف موجها لقرارات المسؤولين وبناء خطط عمل حتى لا تتكرر هذه المآسي او على الاقل التخفيف من إثرها ونتائجها حتى وإن حدثت…
فقصة ريان؛ رحمه الله؛ وقبله المئات من قصص المآسي من المفروض أن تذكي فينا الحماس المنظم والانفعال الصادق الطويل الامد والمنتج للأعمال…عشنا مآسي ناتجة عن فياضات؛ زلازل، انهيارات لمباني وعمارات؛ حرائق في ضيعات ومعامل؛ وفيات بسبب البرد والثلوج؛ انقطاع الطرق وانجراف تربة…
نعم؛ كلما حدثت فاجعة بيننا نكتشف “استمرار الانسان” فينا بالرغم مما يقال عن “التحول القيمي” وتراجع قيم التضامن والتعاطف بين ساكنة العالم… وبكل تاكيد فالتضامن هو الضامن الحقيقي لعدم إفلاس رأسمالنا الإنساني؛ ولكن بالمقابل نكتشف مع كل واقعة وقصة عحزنا الجماعي وضعفنا في انتاج خطط استعجالية للانقاذ وافتقادنا لثقافة الاسعافات الأولية؛ واننا لم نتعود او لم نمنح “للوقاية” موقعها الاعتباري الذي سجب أن يكون لها في السياسة والقانون ونمط الحياة والعيش…
ومما يزيد من الحرقة والأسى اثناء هذه الحوادث حينما نكتشف واقع “التامين” و”الحماية الاجتماعية والصحية” و”الوقاية الاستباقية” فحتى وإن كانت هذه الحوادث يتحكم فيها القضاء والقدر الذي لا راد فيه ولا معقب عليه؛ ولكن هذا لا يمنع من اعتماد “الاحترازات الضرورية” وان نفكر -دولة ومجتمعا- في انتاج “تعاطف استراتيجي” ننحت من خلاله فعلا على ارض الواقع ويدوم أثره ونفعه أكثر من مجرد احاسيس ومشاعر نبيلة…
شخصيا لا افهم كيف تدمج كل مآسي العالم في منظومات اقتصادية ويعاد تدويرها وتسويقها بعد ان تحقق تعاطفا جماعيريا وتؤسس لها قاعدة مهمة من الزبناء…وبالمقابل لا نستطيع ادماج تعاطفنا الانساني المحلي او الدولي ضمن مسار منتج لفعل تضامني مهيكل…
قد يتحدث الاعلام كثيرا ولكن هو حديث اللحظة فقط؛ واكيد سيتبارى نواب أمتنا “غدا وبعد غد” في طرح الأسئلة الكتابية والشفوية و”الاحاطة علما”؛ وسنسمع ان حكومتنا “قررت” اتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية تفاعلا مع الحادث/الحدث وان المنتخبين والسلطات المحلية بدورها “تفاعلت مع الواقعة وقررت تسييج الآبار المهجورة”… ومنظمتنا الأممية العتيدة هي كذلك ‘تفاعلت” كما تتفاعل دائما مع الاحداث والحوادث المؤثرة في العالم ولكن بالتاكيد ستمضي في سياستها وافعالها بعيدا عن العاطفة والمشاعر والأحاسيس…
ونحن ايضا سنمضي جميعا إلى الانخراط في لعبة النسيان.
